أهل البيت

خصوصية مقام الإمام

خصوصية مقام الإمام

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

الإمامة عندنا واجبة ضرورة، ولكن الخلاف على من هو صاحب الحق بالإمامة!!

فمن وجب أن يتبوأ هذا المقام العظيم لابد أن يكون ممثلا لصاحب الأمر، هاد للناس، قائما بالحجة ليقطع الحجج، برهانه قاطع وحجته دامغة، إن سأله الناس إظهار المعجز في الفعل والقول أظهره من غير عناء ولا جهد، عالما بما أراده صاحب الأمر وعاملا به، عارفا بتنزيل القرآن وتأويله، جميل الخصال، منزها عن ذميم الصفات، فهو المثال الصادق للحق في جميع ملكاته وصفاته وخصاله وأفعاله، لهذا فإن ما يميزنا عن غيرنا في رؤيتنا لمقام الإمامة يتلخص بقول الإمام الصادق علينا سلامه: (مثال محل الإمام في الأرض مثال محل الباري في السماء، وإن الملك لا يجوز أن يملكه ويدبره إلا واحد، لقوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا).

ولما انتشر الكذب والتبديل والتحريف كانت الحاجة ماسة لوجود الإمام الذي يقطع حجج المتأولين وألسنة المتقولين بالبرهان، فيلتف حوله المؤمنون ولا يخالفونه، فتعم الهداية ولا يختلف المؤمنون في أحكام الدين تبعا للآراء والأهواء، إذ عنده علم ما يسأل عنه ولديه الحجة على إزالة الأوهام والأباطيل والجهالات والأضاليل.

لهذا نصب الله تعالى الإمام للناس، ليعرفهم أصول دينهم وتعاليمه، ويصلحهم ويهديهم. كما يستحيل أن يترك الرسول (ص) التبليغ عنه لأي كان، لذلك أمره تعالى بتنصيب الإمام بعد الإمام، ولو جاز عليه ترك هذا الواجب لجاز عليه ترك غيره، والدليل قول الله عز وجل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) حيث سأل سيدنا المعلى بن خنيس (ع) الإمام جعفر الصادق علينا سلامه عنه فأجاب: (أمر الله الإمام الأول أن يدفع إلى الإمام الذي بعده كل شيء عنده)، وقال علينا سلامه أيضا: (إن الإمام يعرف الإمام الذي من بعده فيوصي إليه).

هذا يعني أنه متى وجبت الرسالة وجبت الإمامة، ومتى بعث الله رسالة نصب الإمام وصيا، فلا رسالة بلا إمام، ولا شريعة بغير حقيقة، لذلك قال تعالى: (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون)، وقد روى سيدنا المفضل بن عمر (ع) أن الإمام الصادق علينا سلامه قال: (يا مفضل، الأرض هم المؤمنون، والرواسي هم الأئمة).

وإن لأهل بيت النبوة مكانة دينية خاصة، فهم الذين أذهب الله عنهم الرجس كما هو ثابت من آية التطهير: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، وهم نفس النبي كما هو ثابت من آية المباهلة: (فمن حآجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)، وهم أعدال الكتاب كما هو ثابت من حديث الثقلين المسلم بصحته وتواتره، وهو قول سيدنا الرسول (ص): (إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، وقد فرض الله تعالى مودتهم كما هو ثابت من آية المودة: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، وجعل الصلاة عليهم جزءا لا يتجزأ من الصلاة على الرسول لقول سيدنا رسول الله (ص): (ما في الميزان أثقل من الصلاة على محمد وآل محمد، ومن صلى علي ولم يصل على آلي لم يجد روح الجنة)، لذلك سمي سيدنا رسول الله (ص) عندنا إماما، وقال عن الحسن علينا سلامه أنه إمام، وقال عن الحسين علينا سلامه أنه إمام، ولا يجادل بصحة أقوال الرسول (ص) هذه.

وقد وردت كلمة (أئمة) في القرآن الكريم خمس مرات، منها لفظ محمود دل على الهداية التي تقود حتما إلى الحق في قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)، وقوله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)، وقوله تعالى: (ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)، ومنها لفظ مذموم دل على طبيعة القيادة الفاسدة والمرجعية الضالة وقدوة السوء التي تجر أتباعها إلى دار البوار، وهم كبعض زعماء قريش في قوله تعالى: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم)، وفرعون وجنوده الذين يقودون إلى النار في قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون)، وقد فرق الإمام الصادق علينا سلامه بين أئمة الحق وأئمة الضلال بقوله: (نحن قوم فرض الله طاعتنا، وأنتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته).

ومن الملاحظ أن نصوص أهل بيت النبوة تتفق بالكامل مع البيان لأحكام الإمامة، ممثلة بإمامة سيدنا إبراهيم والرسل علينا سلامهم من بعده، والتي أجملها القرآن الكريم مخاطبا رسول الولاية إبراهيم علينا سلامه بقوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماما)، فالله تعالى هو الذي أسند منصب الإمامة لإبراهيم، وكذلك قوله تعالى عن الأئمة الذين جاؤوا من بعد إبراهيم حيث قال: (وجعلناهم أئمة)، (ونجعلهم أئمة)، فاستعمل كلمات: (جاعلك، ونجعلهم، وجعلناهم).

فمما سبق نجد أنهم أئمة يهدون بأمر الله ويقودون الخلق وفق التعاليم الإلهية، وما يعنينا هو أن أئمة أهل بيت النبوة عالجوا معنى الإمامة كما تلقوه عن إمام الأئمة الإمام علي (م) حيث قال: (اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك، ظاهر موجود، أو خاف مغمور لكي لا تبطل حجتك)، وقال أيضا: (لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم الولاية، وفيهم الوصية والوراثة).

وقال الإمام علي زين العابدين علينا سلامه: (نحن أئمة المؤمنين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين)، وقال أيضا: (نحن خلفاء الأرض، ونحن أولى المؤمنين بالمؤمنين)، وقال في الصحيفة السجادية: (اللهم إنك أيدت دينك في كل أوان بإمام أقمته علما لعبادك ومنارا في أرضك، بعدما وصلت حبله بحبلك وجعلته السبيل إلى رضوانك، وافترضت طاعته وحذرت معصيته). وقال الإمام الصادق علينا سلامه: (لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت). كما قيل له: كيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ فقال علينا سلامه: (كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب).

وهذا يعني أن أئمة أهل بيت النبوة قد بينوا الإمامة كما بينها سيدنا الرسول (ص) على أنها ركن من أركان الدين لا غنى عنه، وبأن الإمام معين من الله ومعلن من رسوله، وأن مهمة الإمام أن يهدي لأمر الله، فهو قائد الأمة ومرجعها وقدوتها في أمور دينها ودنياها، لأنه الوحيد في زمانه المتصف بالصفات الشرعية للإمامة، والمؤهل الوحيد لخلافة النبي في أمور الدين والدنيا.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

خصوصية مقام الإمام

‫2 تعليقات

  1. صح كلامك استاذنا العظيم مابهمني الناس اذا اقتنعت بكلام بيهمني نفسي العزيزة كلام واضح والصادق علينا بذكري السلام عليهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى