قضايا توحيدية

مواجهة الإلحاد

مواجهة الإلحاد

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هي الطريقة الأنسب لمواجهة الإلحاد؟

 

لم تستطع الحشوية والمقصرة والمرتدون الخونة مواجهة تيارات الإلحاد التي عصفت بمجتمعاتنا، بل كانت سببًا في النظرة الدونية للإسلام من قبل الملحدين، لأن كلا منهما اعتمد في إثبات وجود الله على ظواهر الكون وأسرار الطبيعة، وأغفل الفلسفة المجردة التي تجعل من الفكرة شيئًا تجريديا، بحجة أن التجريد يرقد في الفكر بأسلوب عقلي جاف لا حياة فيه، وأن الطبيعة تمثل حركة الحياة التي تدعو الإنسان إلى شكر الله وعبادته!

لابد للإنسان العاقل أن ينطلق من وجوده وكينونيته، فإن كان الإنسان وسطًا بين نور وطين فعليه أن يوفق فكره ضمن هذه الوسطية، كما ورد عن الفيلسوف كونفوشيوس قوله: (تكمن الفضيلة في الوسط)، وإذا نظر الإنسان إلى نفسه وتفكر في وجوده أدرك كيف يبحث في وجود الله لأنه المعيار الأفضل للوجود بدليل قول الفيلسوف العظيم أفلاطون: (الإنسان معيار الأشياء برمتها)، ولذلك كان جواب النبي محمد (ص) حين سئل: متى يعرف الإنسان ربه؟ فقال: (إذا عرف نفسه)، كما قال أمير المؤمنين الإمام علي (م): (عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه!!).

فظواهر الطبيعة لا تستطيع تفسير ما قبل الكون والتكوين إلا بالعدمية لأن العدم عند أهل الطبيعة سابق للوجود، بينما عندنا في نهجنا العلوي النصيري فندرك أن وجود الباري سابق للكون والعدم، ولذلك لم تستطع الحشوية والمقصرة والمرتدون الخونة الرد على النظريات الطبيعية التي تبحث في بداية الخلق والتكوين، وما كان قبل ذلك، لأن ذلك يصعب على الفكر المحدود بالحـس، لكنه يفسر بالفكر المجرد الذي يعلل الأسباب، وهو الفكر السليم لقول الفيلسوف العظيم أفلاطون: (الرأي الصحيح يؤيده التعليل).

فعلم الحساب الطبيعي مثلاً يبدأ الترقيم بالواحد لأن الواحد محسوس موجود يمثـل الحركة والوجود، ولكن علم الرياضيات المجرد استطاع أن يتجاوز المعدود المحدود باكتشاف العدد العقدي، ووقفت الأدمغة المسطحة عن فهمه واعتبرته تخيليا، في حين أنه تعبير عن الغيب الذي يعجز العقل والحس عن تخيله، وهو ما يمكن التعبير عنه بالسرمدية التي لا بداية لها ولا نهاية والأحدية التي لخصها أمير المؤمنين (م) بقوله: (الأحد لا بتأويل عدد)، فاستحالة التجلي الإلهي قبل الخلق تجيب عنه الفلسفة من خلال التجريد، وقد قال الفيلسوف العظيم أفلاطون: (الأحد أزل أبدًا، وهو منزه عن الحركة تنزيهًا مطلقًا)، ويؤيده قول الفيلسوف العظيم أرسطو: (واجب ضرورةً أن يكون المحرك الأول محركًا أحدًا أزلاً)، ولكن تنزيهه عن الحركة لا يعني أنه ساكن فتحرك بدليل قول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟! إذًا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه)، وهنا كلت الأفهام عن فهم تنزيهه عن السكون والحركة فما هو إذن!!

عندما سئل الإمام الصادق علينا سلامه عن الله أجاب: (هو الله)، وقد أجاد الفيلسوف الرياضي ديكارت بقوله: (الغوص في حقيقة كـنه الله ومحاولة الكشــف عن أســرارها جـرأة عليه، فكنهه لا يستطيع أن يكشف عنه ذهن محدود كذهني)، وهو ما عبرت عنه الفلسفة بمصطلح الماهية التي ترتبط بالحس والوجود لا بالباري المجرد عنها بدليل قول الفيلسوف الطبيب ابن سينا: (الباري مجرد عن الماهية)، وقول الفيلسوف العظيم أفلاطون: (الباري ليس بماهية، بل هو أسمى من الماهية، وليس بصفة لأنه سابق لكل الصفات)، فالسكون كما الحركة من الصـفات التي لا يليق أن يتصف بها الباري، ولكن لا يمكن معرفته إلا بهما بعد الخلق لحاجة المخلوق لقول الفيلسوف العظيم أرسطو: (لا حركة من غير مكان وخلاء وزمان)، أما كيف بدأت الحركة وما علاقتها بالمتحرك فلا يستطيع العقل إدراك ذلك لقوله أيضًا: (ليس بين التحرك والمحرك وسط أصلاً)، وهذا الوسط هو المكان، (وكان الله ولا مكان) كما قال أمير المؤمنين الإمام علي (م)، وقد عبر عن هذا بقوله الوارد في نهج البلاغة: (سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله)، فالحركة والسكون من صفات الأفعال لقوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنًا ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً، ثم قبضناه إلينا قبضًا يسيرًا)، وهما لا يقعان على الباري بل على الموجودات بدءًا من الموجود الأول لقوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون)، وهو ما أشار إليه سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) بقوله: (أعترف بك إلهنا الأحد الذي ليس لك من بداية ولا يكون لك من نهاية، لأنك برحمتك أعطيت كل الأشياء بدايتها وستعطي بعدلك الكل نهايةً، لا شبه لك، لأنك بجودك غير المتناهي لست عرضةً للحركة ولا لعارض).

فإن كان من الصعب استيعاب هذا الاختصار لطريقة الفهم الفلسـفي فلا فائدة من الإطالة لقول الفيلســوف العظـيم فيثاغـورث: (نقل الصـخور العظـيمة على الأكتاف أيســر من تفهـيم من لا يفهم).

وقد يتساءل متسائل ويحتج محتج: لماذا تستشهد بأقوال الفلاسفة من غير المسلمين؟ فأجيبه بقول الإمام الصادق علينا سلامه: (ما من زمن ولا حين ولا أوان ولا مكان إلا ونحن نبعث رجلاً ليدعو الخلق).

وإن تطاول أحد ليزعم أننا نتحدث بما لا يجوز الحديث فيه نذكر ما ورد عن الفيلسوف العلوي أبي نصر الفارابي أن الفيلســوف العظـيم أفلاطون سأل الفيلســوف الأعظم أرسطو عن نشر الفلسفة فكان جوابه: (إني وإن دونت هذه العلوم والحكم المضمونة بها فقد رتبتها ترتيبًا لا يخلص إليها إلا أهلها، وعبرت فيها بعبارات لا يحيط بها إلا بنوها… فللحكم على شيء خاص ينبغي على الإنسان أن يكون على علم خاص بذلك الشيء).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى