المنطق العلوي

منطق العلم ومواجهة الإلحاد

منطق العلم ومواجهة الإلحاد

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

وقع الناس بالإلحاد حين نظروا فرأوا نتاج العلوم المادية الفيزيائية والكيميائية وأمثالها، وغابت عنهم معاني الرياضــيات المجردة، وبلغ الصـــراع أشــده حين قارنوا ما قدمته العلوم المادية لهم من براهين ووقائع، وبين ما أمرهم به كهنة الدين من التقليد الأعمى والاتباع اللاواعي لأحكامهم الوضعية التي وضعوها زورًا وبهتانًا بعد أن غيبوا بخبثهم ومكرهم الدين الحقيقي المرتبط بالرياضيات المجردة.

إن الإلحاد لغةً هو الشك بالرب، والميل عن طريق الحق، وانتشاره يعود للجهل بالدين الحقيقي المجرد. فالملحدون يحتجون بعدم وجود داع لرب يثبت وجوده بالمعجزات، وقد وصفهم الإمام علي (م) بقوله: (زعم الملحدون أنهم كالنبات البري ما لهم زارع، وهل يكون بناء من غير بان؟ أو جناية من غير جان؟)، مع أن الداعي موجود وهو العقل الذي هو الميزان بين الحق والخلق، ومن الواجب على كل باحث واع أن يرد على أهل الإلحاد بمنطق الدين الحقيقي المجرد.

فمنطقنا العلوي لديه ردود علمية كثيرة على الملحدين، سواء منهم من يسأل سؤال استفهام واسترشاد، أو من كان على عناده وسابق رأيه. وكم من ملحد طرق بابنا وخرج منه إما مقتنعًا مسترشدًا، أو أكثر غيا وجهلاً. فالجميع يعترفون بعجزهم عن الوصول إلى عمق أسرار نهج الإمام علي (م) العظيم الذي لا يلوم من طالب بالدليل المنطقي ولم يجده فانحرف، لأن ما طالب به هو حقه الطبيعي والمشروع. ولكن لنسأل هذا الملحد: إلى أي حد ستستمر العلوم المادية في تقديم التعليل والتفسير لك؟ هل التقدم العلمي المادي لا نهائي وبلا حدود؟ أم أن هناك حدودًا لا يمكن للعلوم المادية تجاوزها؟ ألا يمكن اكتشاف عوالم جديدة مختلفةً كلـيا عن مداركك وحتى عن قوانين العلوم المادية الحالية؟

العلوم المادية لا تستطيع أن تصل إلى معرفة كاملة ونهائية، ولا يمكن أن تفسر حدث ظهور الكون والمكان وخلق الزمان والمواد، إنما هناك نظريات بشرية علمية بحتة مختلفة حول تكون المجرات والمجموعات النجمية والثـقوب السوداء وخلق الديناصورات والحشرات وعالم البحار وصولاً إلى ظهور الإنسان الأول، إلا أن النظريات لا تعني البرهان أبدًا، خاصةً أنها جميعًا غير مثـبتة، ومتضاربة فيما بينها، فمعظم ما يحاول العلماء الماديون معرفته يتعلق بحوادث مادية ضائعة أو افتراضية، ولم يتفقوا حتى اليوم حول شكل الأرض إن كانت كرويةً أو بيضويةً أو مسطحةً أو ربما يخرجون علينا بنظريات أخرى مع الزمن.

هذا العجز المادي الواضح جعل بمقابل الملحدين قسمًا من الناس يزعمون أنهم مؤمنون، لأنهم يجمعون على وجود رب لهذا الكون ويكثرون من ارتياد دور العبادة بلا إقرار، ورفع كلمات الصلوات بلا تفكر، والتقرب بالقرابين بلا يقين، وإيقاد الشموع وإظهار كافة مظاهر التدين الصارخ، ولكنهم مصابون بالعرج الديني، لأن سادتهم عملوا على تعويم وتعميم الشرك والإنكار والسيطرة من خلالهما على الجميع، فأقاموا لهم هياكل وثنيةً للعبادة خاليةً من المعرفة اليقينية، تحول فيها أتباعهم إلى عابدين لأصنام الجهل وأصنام المال وأصنام السلطة مشركين بها دون أن يعلموا أنهم على خطأ. وهكذا أصبح هؤلاء يزعمون أنهم يعبدون الرب مع أنهم لا يعرفونه، فوقع فيهم قول سيدنا المسيح (ع): (إن كثيرين يغتسلون ويذهبون للصلاة، وكثيرين يصومون ويتصدقون، وكثيرين يطالعون ويبشرون الآخرين، وعاقبتهم ممقوتة عند الله، لأنهم يطهرون الجسد لا القلب).

هنا قد يسأل سائل نفسه على سبيل التعلم والمحاكاة المنطقية: هل الرب يشبهني؟ لماذا خلقني؟ وهل يعقل أن أعرف جوهره؟ أليس من المنطق أني لو علمت جوهر الرب لأصبحت ربا، لأن جوهر الرب أكبر من طاقة علمي، وأكبر من طاقة استيعابي؟

وهكذا يبقى السالك في بحث دؤوب لا ينضب عن معرفة أسرار الخلق والتكوين، والغور في أعماق الوسائل الحسية والعقلية على أنواعها، لكنه يتوقف عن البحث في ماهية الرب الذي أوجده: ما هو؟ ومن هو؟ ومن أين أتى؟ لأن الجواب في قول الإمام علي (م): (ما نهى الله العبد عن شيء إلا وقد علم أنه يطيق اجتنابه، وما أمره الله بشيء إلا وقد علم أنه يستطيع فعله، لأنه ليس من صفته تكليف العباد ما لا يطيقون).

إذن لا يكون تفكير السالك في الماورائيات الغـيبـية، بل هو ملازم للمعرفة فقط، إذ لا يجوز الإيمان إلا بعد الإقرار، ولا الإقرار إلا بعد المعرفة، وما السمع والقبول عند السالك إلا بعد بينة، لأن منطقنا العلوي قائم على السير على طريق الاستدلال وإقامة البرهان، لا على الخبط العشوائي الكثير في هذه الأيام. ولا يفهمن أحد أننا ننكر العلوم بكافة أنواعها، لكننا لا نقبل بتسطيح الأمور العظيمة والعميقة وتحويلها إلى مجرد مادة قياسية زائلة لا تقوم بنفسها، ولا نقبل نظريات تقوم على سطحي زائل لأنها سطحية زائلة، بل نقبل العلوم غير القياسية التي تحمل الدلائل الصحيحة والبراهين الدقيقة.

هذا التفكير الدقيق يدعو إلى نيل الحقائق المتعلقة بأسرار الخلق والتكوين (إن كان لأحد أذنان للسمع فليسمع) كما قال سيدنا المسيح (ع). وأحسن العمل هو البحث عن معرفة الرب، والتفكر فيما خلق ولم خلق؟ حيث سئل الإمام علي (م): هل خلق الله الخلق لحاجة أم لغير حاجة؟ فأجاب: (اعلم أن الله خلق الخلق لا لحاجة، بل أوجدهم وجودهم إنعامًا وإفضالاً، فإن قيل: بما أنعم الله عليهم؟ فقل: بإظهارهم من العدم إلى الوجود).

وحول هذا الخلق قال الإمام علي (م): (أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى لما خلق الخلق أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لن يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم ما لهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، والوعد بالترغيب والوعيد بالترهيب، والترغيب بما تشتهيه أنفسهم وتتلذذه أعينهم، والترهيب بضد ذلك)، وأكد أن العمل الصالح من العبد فعله، والرب به أمره، وعمل الشر من العبد فعله، والرب عنه نهاه.

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى