المنطق العلوي

منطق البر

منطق البر

بقلم الأستاذ المهندس:

أسامة حافظ عبدو

 

ظن الآخرون أنهم عرفوا ربهم بدون تجل، وزعموا أن التجلي من مقتضيات العدم، فأثبتوا بزعمهم- دون أن يدروا- أن طريقهم هو طريق الإنكار والتعطيل، وذلك لعدم فهمهم، فكان وصفهم كما ورد في سفر إشعياء: (جعلوا لأنفسهم سبلاً معوجةً، كل من يسير فيها لا يعرف سلامًا).

هؤلاء ظنوا أنهم بتعطيلهم هربوا من الحلول، لكنهم في الحقيقة أنكروا بر الوجود وتوجهوا إلى عبادة العدم، ثم جسموا الرب بأوهام اصطنعوها في خيالهم فوقعوا بحلول التشبيه، وهذا شرك محض، فمن أجاز أن يكون التجلي متوهمًا في الخيال، كمن جعل له صنمًا متخيلاً يتوجه إليه في عبوديته، وبذلك فإن عبادته ليست للرب، بل لذلك الصنم المعدوم، لقول الإمام علي (م): (أشهد أن من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر).

إن منطقنا العلوي يؤكد أن من عرف تجلي الرب أثبت بر الوجود، لقول الفيلسوف الأعظم أفلاطون: (إن واجب الوجود يظل دومًا على حال واحدة، وإن الصيرورة لا تنفك تتحول من حال إلى حال).

كما أن بر الوجود يكون بلا حلول تشبيهًا، ولا إنكار تعطيلاً، وأن بر الوجود لا يكون إلا بعد إيجاد الموجودات إثباتًا للعدل الرباني، أما قبل الإيجاد فإن الرب كان ولا موجود معه، حاشا ثم حاشا أن يكون معه موجود من الموجودات، لأن الموجودات محدثة مخلوقة مجعولة، والرب منفرد عن الحدوث والخلق والجعل، لا موجود يدركه أو يحصره، لأن المحدث والقديم لا يدرك جوهر الرب.

هذا يتيح للسالك في طريق منطقنا العلوي أن يعرف أنه عندما يشهد تجلي الرب يثبت بر الوجود بلا شرك، ولا يشهد في هذه الحال غيره، امتثالاً لقول الرب الوارد في سفر التكوين: (أن يحفظوا طريق الرب، ليعملوا برا وعدلاً، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به)، فمن لا يشهد تجلي الرب يقع بالتعطيل وهو الكفر الصراح، ومن لا يفرد جوهر الرب عن الأعراض والهيئات يقع بالتشبيه وهو الشرك الخفي.

ولهذا فإن السالك المخلص لسادة منطقنا العلوي تكفيه الإشارة ليهتدي بنورهم ويسلك نهجهم ويصل إلى المقصود، بدليل ما ورد في المزامير الداؤودية: (بنور وجهك يا رب يسلكون)، أما غير السالك في منطقنا العلوي فلن يصل إلى عبادة الرب، لا بالتعليم ولا بالتفهيم ولا بالتقرير لقول الفيلسوف العظيم فيثاغورث: (نقل الصخور العظيمة على الأكتاف أيسر من تفهيم من لا يفهم).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى