قضايا توحيدية

عقائد الكفر

عقائد الكفر

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

نلاحظ أن هناك خلطًا عند الناس بين المؤمن والكافر، حتى بات الكافر يدعي الإيمان ويكفر المؤمن دون دليل عقائدي. فكيف يمكن تصنيف عقائد الكفر ليتم الحكم على الكافر أنه كافر؟

 

قيل للإمام الصادق علينا سلامه: أخبرني عن وجوه الكفر. فقال علينا سلامه: (الكفر في كتاب الله على خمسـة أوجه: فمنها كفر الجحود والجحود له وجهان، وكفر النعم، والكفر بـترك ما أمر الله، وكفر البراء‌ة).

وسأحاول في هذا الجواب توضيح المراد من هذه الوجوه الخمسة.

 

يقول الإمام الصـادق علينا سـلامه شارحًا: (فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار. وهو قول صنف من الزنادقة يقال لهم: الـدهـريــة وهم الذين يقولون: “وما يهلكنا إلا الدهر” وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان على غير تثـبت منهم ولا تحقيق لشي مما يقولون، إذ قال الله عز وجل: “إن هم إلا يظنون” أن ذلك كما يقولون وقال: “إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون” يعني بتوحيد الله تعالى فهذا أحد وجوه الكفر).

توضيح: لهم أمثلة في هذه الأيام من يسمون بالملحدين أو الماديين الذين لا يؤمنون بوجود الله، مثلهم مثل من ينتسب للإسلام ولكنه لا يقر بشهادة الحق، فهو لا يعرف ما يعبد، فتراه تارةً يعبد حجرًا يقدسه، وتارةً يعبد بشرًا يقدسه.

 

ويتابع الإمام الصادق علينا سلامه: (وأما الوجه الآخر من الجحود فهو الجحود على معرفة، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق، قد استقر عنده، وقد قال الله عز وجل: “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوا”، وقال: “وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين” فهذا تفسير وجهي الجحود).

توضيح: هؤلاء هم المعطلون الذين عرضت عليهم شهادة الحق، فأنكروها وجحدوها مع علمهم أنها هي الحق المبين، ولكن لظلمهم وعتوهم أصروا على إنكار الحق والتوجه إلى العدم في شهادتهم، لتكون شهادتهم باطلةً لا معنى لها.

 

ويتابع الإمام الصادق علينا سلامه: (والوجه الثالث من الكفر هو كفر النعم، وذلك قوله تعالى يحكي قول سليمان: “هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم”، وقوله سبحانه: “لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد” وقوله: “فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون”).

توضيح: هؤلاء هم المشبهون الذين عرفوا فضل الله بنعمة معرفة إثبات وجوده، فلم يشكروا له هذه النعمة الجليلة بإفراده عما لا يليق به من الأسماء المعلومة والصفات المحسوسة والأفعال المدركة، بل أشركوا كفرًا عندما جعلوها حقيقةً وماهيةً له، لأنهم ساووا بين الرب والمربوب، والدليل ما جاء عن أمير المؤمنين الإمام علي (م): (أشهد أن من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر).

 

ويتابع الإمام الصادق علينا سلامه: (والوجه الرابع من الكفر هو ترك ما أمر الله عز وجل به وهو قول الله عز وجل: “وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض”، فكفرهم بترك ما أمر الله عز وجل به، فقد نسبهم إلى الإيمان ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده فقال: “فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون”).

توضيح: هؤلاء هم من تجاوزوا مرحلة التعطيل والتشبيه الإسمي والصفاتي والفعلي، فعرفوه بعد أخذ الميثاق عليهم وأقروا به حينًا فنسبوا إلى الإيمان بما ظهر منهم، ولكنهم ابتدعوا في الدين بدعةً مهلكةً لا يكشفها إلا أهل اليقين الحق، كمن صدقوا بالشهادة ونزهوا عن الأسماء والصفات والأفعال، ولكنهم وقعوا بشرك الأشياء والماهيات المجهولة، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه الآخر، فلم يقبل إيمانهم لأنهم كمن أشركوا الذات الإلهية بالأسماء والصفات والأفعال، بدليل قول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (إثبات بعض التشبيه يوجب الكل، ولا يستوجب كل التوحيد ببعض النفي دون الكل).

 

ويتابع الإمام الصادق علينا سلامه: (والوجه الخامس من الكفر هو كفر البراءة وذلك قوله عز وجل يحكي قول إبراهيم ومن معه: “كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده”؛ يعني تبرأنا منكم. وقال عز وجل: “إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضًا”؛ يعني يتبرأ بعضكم من بعض).

توضيح: هؤلاء هم أهل الحلول والتجسيم الذين زعموا أن الإله والأنبياء والملائكة حلوا بهم وظهروا بأجسادهم، فكانوا كالأوثان البشرية المتحركة، ونحن أهل الإيمان والتوحيد العلوي النصيري نكفر بهؤلاء ونتبرأ منهم ومن بدعهم وباطلهم، ومن يراقبهم فإنه سيرى أنهم بين أنفسهم يتباغضون ويتلاعنون لأن أهدافهم أصلاً دنيوية سلطوية على الناس، وهم يعرفون بعضهم ويكشفون أسرار بعضهم، لذلك ترى البغضاء والحسد والتلاعن فيما بينهم، لعنهم الله لعنةً أبديةً وبرأنا منهم ومن كل أهل الكفر بكافة أشكالهم ودرجاتهم، وأنالنا رضاه وثبتنا على معرفة اليقين، والحمد لله رب العالمين.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫2 تعليقات

  1. كلام وتوضيح يقتضي التوقف عنده كثيرا ومراجعة جميع أفكاره الدقيقه وتكشف الكثير من الأمور المهمة التي يجب معرفتها.. حياكم الله سيدي 🌷

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى