قضايا توحيدية

الفرق بين المعرفة والإدراك

الفرق بين المعرفة والإدراك

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو الفرق بين المعرفة والإدراك؟ وهل هما خاصان بأهل الإيمان فقط؟

 

إن الشعرة ما بين المعرفة والإدراك هي التي قسمت الخلق منذ بدء الوجود الإنساني إلى موحد ومنكر ومشرك بالله، فهناك فرق شاسع بين أن تقول: عرفت الله، وبين أن تقول: أدركت الله!!

فالمعرفة لله أمر لابد منه لكل الخلق حتى يثبت وجوده، وهي أمر لابد أن يعرض على المؤمن والكافر على السواء لتثبت الحجة، لذلك قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين)، فلم يخصص الله رسالة نبيه الأعظم لقوم دون قوم، بل كانت الرسالة للعالمين جميعًا ليعرفوا ربهم الذي يدعو إليه سيدنا محمد (ص)، وهو الرحمة المطلقة التي أتت بهدى الولاية لقوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق)، فالرحمة صفة النبي لا صفة البشر، ومن تبعه كان مرحومًا مفاضًا عليه من نعمة الله لقوله تعالى: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، أما من أنكر هذا الهدى فمصيره في قوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم).

هذا يعني أن الأنبياء أرسلوا للناس جميعًا ليعرفوهم سبيل الهدى واليقين، فشهدوا آيات الله إثباتًا لكيلا يحتجوا فيقولوا: ما شهدنا الآيات أفتريدنا يا محمد أن نؤمن بما لم نشهد!؟ ولذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي (م): (بآياته احتج على الخلق).

وهذا يعني أن الآيات البينات قد أثبتت الحجة بوجودها ومعرفتها فكانت نعمةً للمؤمنين المقرين الذين استقروا على هذه المعرفة المشهودة لقوله تعالى: (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها)، وكانت حجةً على الكافرين الذين أنكروها بعد معرفتهم ليثبت عليهم الكفر لقوله تعالى: (يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون)، وكانت نقمةً على المنافقين الذين كتموا معرفة الهدى عن العالمين مجاملةً للباطل ورياءً لقوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)، وهم الناموسيون الذين خاطبهم سيدنا النبي المسيح (ع) بقوله: (ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم، والداخلون منعتموهم)، وهم أيضًا الذين حاربوا أهل البيت علينا سلامهم بعد غيبة رسول الله (ص) ليغيروا حقيقة الإسلام، فكتموا ما عرفوه وشهدوه من معاجز أمير المؤمنين الإمام علي (م)، وأخفوا وصايا رسول الله (ص) في بيعاته له من بعد ما بينها الله تعالى في كتابه وكان آخرها بعد مبايعته له في يوم الغدير في حجة الوداع فأنزل تعالى قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا).

ما سبق يعني أن الوجود مبني على المعرفة المشهودة للحق، ولا يمكن أن يحاسب الله أحدًا إلا بعد أن يشهده آياته بينات لقوله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

أما معرفة الآيات البينات فهي نعمة للمؤمن المقر لأنها بداية طريق العبادة لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (أول الدين معرفته)، وقوله: (لا دين إلا بمعرفة ولا معرفةً إلا بتصديق)، فالمعرفة عند المؤمن مرتبطة بالإقرار بما عرف والتصديق بما شهد، لكنه يعلم أنه عاجز تمام العجز عن إدراك صــاحب الآيات الـبـيـنات ومـبـديها للخلق أجمعين لقوله تعالى: (لا تدركه الأبصـار وهو يدرك الأبصــار وهو اللطيف الخبير)، وقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا تدركه الأبصـار ولا تحويه خواطر الأفكار ولا تمثله غوامض الظنن في الأسرار)، فيقف عند مقدار استطاعته لأنه يعلم تمامًا أنه سيبقى في حدود المعرفة لا الإدراك لقول الإمام الحسين علينا سلامه: (لا يقدر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته، لأنه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها).

 

والخلاصة:

إن المعرفة شاملة للخلق جميعًا (ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة)، وأما الإدراك فهو خاص بالمؤمنين، وهم لا يدركون كنه ربهم لكنهم يدركون عظمته بعجزهم عن إدراكه لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (ليــس الله عرف من عرف ذاته، ولا له وحد من نهاه، ولا به صدق من مثله، ولا حقيقته أصاب من شبهه، ولا إياه أراد من توهمه، ولا له وحد من اكتنهه، ولا به آمن من جعل له نهايةً، ولا صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من حده، ولا له تذلل من بعضه).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى