علوم علوية

البداء والعدل الإلهي

البداء والعدل الإلهي

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

كيف يكون الإنسان مخيرًا ونحن نعلم أن الله قد قدر كل ما يحصل معنا، وأن ذلك مكتوب عليه؟

 

لابد أن ننطلق من قول الإمام جعفر الصادق علينا سلامه: (لا يكون شيء في السماء ولا في الأرض إلا بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجل، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة فقد كذب على الله)، لكن الحشوية والمقصرة والمرتدين الخونة ضاعوا في فهم ما يجري معهم، وظنوا أنهم لا يقومون بفعل إلا بتسيير الله لهم وبالتالي لماذا يستوجبون العقاب؟ وأين العدل الإلهي إذا كان الإنسان مسيرًا ليفعل ما يفعله بدون أن تكون له حرية اتخاذ القرار؟ وما الفرق بين المشيئة والإرادة والقدر والقضاء؟

هذه المفاهيم شرحها الإمام علي الرضا علينا سلامه بقوله لرجل في مجلسه: تعلم ما المشيئة؟ قال: لا. فقال علينا سلامه: هي الذكر الأول. فتعلم ما الإرادة؟ قال: لا. فقال علينا سلامه: هي العزيمة على ما يشاء. فتعلم ما القدر؟ قال: لا. فقال علينا سلامه: هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء هو الإبرام وإقامة العين.

هذا يعني أن الله لم يجبر إبليس على الغواية، بل هو من ارتكب المعصية ثم اتهم الله بإغوائه فقال له: (بما أغويتني)، فأبلسته هي التي أغوته، وخبثه جعله يتهم الله بالظلم، فمشيئة الله هي الخلق، وإرادته هي فعل الإيجاد، وقدره هو وضع حدود الإيمان والكفر والفصل بينهما، والقضاء هو الدعوة الإلهية لنفسه ليثبت الحجة، فمن الخلق من أقر ومنهم من أنكر، وكلاهما مستطيع لأنه أعطي آلة الاستطاعة على الخير والشر والإقرار والإنكار، بدليل ما روي أن رجلاً من أهل البصرة سأل الإمام الصادق علينا سلامه عن الاستطاعة؟ فقال علينا سلامه: إن الله خلق خلقًا فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثم لم يفوض إليهم، فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل إذا فعلوا ذلك الفعل، فإذا لم يفعلوه في ملكه لم يكونوا مستطيعين أن يفعلوا فعلاً لم يفعلوه. قال البصري: فالناس مجبورون؟ فقال علينا سلامه: لو كانوا مجبورين كانوا معذورين. قال البصري: ففوض إليهم؟ قال علينا سلامه: لا. قال البصري: فما هم؟ فقال علينا سلامه: علم منهم فعلاً فجعل فيهم آلة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين. قال البصري: أشهد أنه الحق وأنكم أهل بيت النبوة والرسالة.

إن ما كبر على الحشوية والمقصرة والمرتدين الخونة أنهم لم يفهموا كيف يعلم الله بفعلهم دون إجبارهم على القيام به، ولا تفويضهم بالطريقة التي تخرجهم عن حد المخلوقين، فعلم الله بما يجري في الخلق يدعى بالبداء الذي أقر به جميع الأنبياء لقول الإمام علي الرضا علينا سلامه: (ما بعث الله نبيا قط إلا بالإقرار لله بالبداء)، وهو ما أنكره إبليس فاتهم الرب بإغوائه، والحقيقة أن الله حدد وقت الدعوة وأعطاه الحرية، وكان له أن يقدم هذا الوقت أو يؤخره حيث ورد عن الإمام محمد الباقر علينا سلامه أنه قال: (من الأمور أمور موقوفة عند الله يقدم منها ما يشاء ويؤخر منها ما يشاء).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫3 تعليقات

  1. الله الله على هذة الفلسفة العظيمة
    بلغت الفائدة والمتعة بالتوفيق والشرح جل مداها.
    حياكم الله أيها السادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى