المنطق العلوي

الإيجاد في المنطق العلوي

الإيجاد في المنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

حصل انقسام كبير في الآراء حول موضوع الرب عبر التاريخ، وكانت أبرز هذه الآراء كالآتي:

  • آراء المعطلين الذين افترضوا وجوب وجود رب غائب لا يمكن معرفة أي شيء عنه.
  • آراء المشبهين الذين أسندوا السمات الإيجابية والسلبية كحقائق وماهيات للمخلوقات والرب.
  • آراء الحلوليين الذين زعموا أن الرب والعالم جوهر واحد، فالرب عندهم من العالم والعالم منه.
  • آراء الماديين الذين أنكروا الوجود وأثبتوا المصادفة، ومنهم من زعم أن الإله مجرد طاقة، وهذه الطاقة هي مجرد قوة تحرك العالم.

 

لقد قمنا في مقالات سابقة بالرد على الآراء الثلاثة الأولى الحائدة عن الحقيقة السماوية، وبقي لنا أن نرد على الرأي الحائد الرابع لأن هذه الآراء الأربعة لا نصيب لها من الصواب على الإطلاق.

إن أصحاب المنطق العلوي تأبى عليهم عقولهم أن يؤمنوا بالمصادفة مهما حاول العلم المادي الحديث أن يستسيغ هذه النظرية. فالماديون الدهريون يزعمون أن المخلوقات من فعل الطبيعة، وأنها قديمة لنا!

 

نحن نرد عليهم بمنطقنا العلوي ونقول لهم:

إذا كانت المخلوقات قديمةً لا بدء لها، وهو حد القدم، كانت هي التي أحدثت نفسها مع أنها موجودةً، وهذا محال لأنها تكون قد استغنت بوجودها عن حدوثها.

أما إذا كانت قديمةً لها بـدء فقد تـم إثبات الحدوث عليها، فمن أحدثها؟ أهي التي أحدثت نفسها أم غيرها أحدثها؟ فإذا كانت هي التي أحدثت نفسها بعد أن كانت معدومةً فالمعدوم لا يحدث شيئًا.

هذا يثبت أن للمخلوقات محدثـًا غيرها، وأن للعالم صانعًا أوجده، وإذا ثبت حدوث العالم ثبت أن له صانعًا محدثًا، فلكل صنعة صانع كالبناء والكتابة وغيرها…. إذ يستحيل إيجادها لنفسها، ويستحيل عدم وجود الصانع مع وجود الصنعة، وقد سئل الإمام علي (م) عن إثبات الصانع فقال: (آثار القدم تدل على السير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة، ألا يدلان على اللطيف الخبير).

 

أما بالنسبة لمسألة الطبيعة فلنتساءل: ما معنى الطبيعة؟ ولم سميت طبيعةً؟ وما المراد بهذا الاسم؟

إذا قلنا: إن معنى الطبيعة هو هذه العناصر الأربعة (النار والهواء والتراب والماء)، وسميت طبيعةً لأنها تطبع الصور باتفاق من هذه العناصر وتظهرها، فمن وفق بينها هذا الاتفاق؟ حيث أنه إن تأخر أحدها لم يتم للثلاثة الباقية فعل!!؟ هل الطبيعة هي التي وفقت؟ أبعلم أم بغير علم؟

إن كانت عالمةً بما تفعل فما هو الدليل إذا كانت عناصر الطبيعة لا تعلم شيئًا ولا تحس بشيء؟ إذن هذا جواب غير صحيح.

أما إن لم تكن عالمةً، فالاتفاق لا يكون إلا من موفق عالم بما يوفق، فإن أقررنا بالموفق بين هذه العناصر فقد لزم إثبات الموفق الذي وفق بينها.

وبما أن الشيء المادي لا يستطيع أن يصنع نفسه، فالرب لا يمكن أن يكون ماديا، بل هو لطيف لا مادي، واللامادي بحكم تعريفه لا يمكن إدراكه بالحواس الطبيعية، كما أن الجوهرً تعريفًا هو ما ليس في موضوع، بل هو القائم المستغني عن كل شيء.

 

إذن: ليست الطبيعة أصلاً للوجود لأن للطبيعة طابعًا، وليست المصادفة أصلاً للوجود لأن المصادفة في عالم الوجود معدومة، وليست الضرورة أصلاً للوجود لأن الفاعل يريد ويختار ما يفعل، بل هناك حدوث للوجود، والدليل أن الوجود لم يكن ثم تحقق كونه.

لهذه الحقيقة بالضبط توصل سادة المنطق العلوي الذين أقروا بوجود الرب، فالمعلم الأول أرسطو قال: (واجب ضرورةً أن يكون المحرك الأول محركًا أحدًا أزلاً)، وهذا المحرك الأول كما قال منعًا للحلول والتشبيه: (ليس في مكان ما، لأنه ليس جسمًا، ولأنه ليس بحاجة إلى مكان معين)، ولكن هذا لا ينفي أن (له وجودًا حقيقيا) كما قال منعًا للتعطيل والعدم.

فهل الماديون في هذه الأيام كهؤلاء العظماء؟ وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ بالطبع: لا، لأنهم كما قال سيدنا المسيح (ع): (إني قلت لكم ولستم تؤمنون لأنكم لستم من خرافي).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى