من قصص الأنبياء

إيمان آباء الرسول

إيمان آباء الرسول عبد الله عبد المطلب هاشم

إيمان آباء الرسول

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هناك مزاعم أن التاريخ الإسلامي المكتوب يقول: إن سيدنا محمدا (ص) ولد بعد وفاة سيدنا عبد الله بن عبد المطلب (ع) بأربع سنوات! ولهذا يشرع بعض المشايخ جواز الحمل لأربع سنوات! فمتى مضى سيدنا عبد الله بن عبد المطلب؟ وما هو ردنا على من يكفر آباء الرسول (ص)؟

 

هذا كذب وافتراء وهو من ضمن التشويهات التي أدخلت ضمن كتب التاريخ المزور. نحن نؤكد ما جاء عن السيد الأجل الحسين بن حمدان الخصيبي عن أهل البيت المعصومين (علينا سلامهم) في عصمة الشجرة المباركة التي أثمرت ظهور سيدنا النبي محمد (ص) بالنبوة والرسالة.

هنا لابد أن نذكر في البداية سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) الذي كان سيد قريش والمطاع فيها، وكان صاحب سدانة الكعبة، وهو الذي أعاد إعمار البيت الحرام، وحفر بئر زمزم الذي كان مدفونا لسنوات حتى ضاع مكانه بعد أن ألقى فيه آخر حاكم جرهمي ظالم المجوهرات والأموال التي كانت في الكعبة، فرأى سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) في المنام أنه وجد البئر وأمر بحفره، فحفرها لوحده وأعاد الجواهر إلى الكعبة، وعاد ماء البئر من جديد حتى اليوم، وهو الذي سماه “سقاية الحج”.

سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) أيضا هو من أعز البيت الحرام حين رد الفيلة وملك الحبشة أبرهة بن الصباح (لعنه الله) كما ذكر في قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول)، حين خرت له الفيلة سجدا عندما أتى ملك الحبشة لهدم الكعبة، حيث ورد في كتاب “الهداية الكبرى” أنه لما صار أبرهة إليه ارتعب منه وعظم في نفسه وكبر عليه، فقال لمن حوله: من هذا الرجل العظيم؟ فقالوا: سيد قريش وأفضل بني هاشم وأشرف العرب نفسا ونسبا، وهو صاحب هذا البيت. فقال: اسألوه فيما جاءنا فسألوه فقال عبد المطلب (علينا سلامه): (جئت أسأله رد ما أخذه واستباحه من أموالنا ونعمنا)، فتكبر أبرهة ورفض فقال عبد المطلب (علينا سلامه): (يرد علينا أموالنا فإن لهذه الكعبة ربا يمنعه منها)، والكرامة هنا ليست لحجر البيت بل لصاحب البيت.

قال أبرهة: ردوا عليهم أموالهم حتى ننظر كيف رب هذه الكعبة يمنعنا منها! وأمر بالفيلة فجمعت وحملوا بها وقال لساستها: احملوا على البيت فاجعلوه سحيقا.

فلما جمع الفيلة وحملوا بها دعا عليهم سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) فوقفت ولم تدخل الحرم، ودعا أبرهة بفيل وحمله على البيت فلم يدخل البيت، ولم يزالوا من غروب الشمس إلى طلوع الفجر يريدون دخول الحرم فلم تدخل، فاتجه أبرهة إلى خارج الحرم وأمر بتحطيم كل ما يلقاه، فلما أسفر الصبح أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل؛ يعني كل حجر مسجل عليه- أي مكتوب عليه- اسم صاحبه الذي يرمى عليه فيقتله. وكانت الحجارة بحجم العدسة تنزل على أم رأس صاحبها فتشكه وتخرج من أسفله، حتى صاروا باركين كورق الزرع الذي جعل فوق بعضه كالعصف المأكول.

على الرغم من سيادة عبد المطلب (علينا سلامه) إلا أنه كان وحيدا في مواجهة قريش عقائديا لأنه كان يدين بالحنيفية الإبراهيمية، لذلك نذر نذرا مفاده: إن ولد له عشرة أولاد ذكور أن يذبح عاشرهم في كعبة البيت الحرام، وأن يقربه لله شكرا وحمدا على ولادتهم ذكورا عشرة، وهذا يتقارب مع قربان الوصي هابيل (م) في التقرب إلى الله بالأعز والأغلى، ومع الأمر الإلهي في قوله تعالى في قصة إبراهيم وإسماعيل (علينا سلامهما): (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)، وكان مقام سيدنا عبد المطلب كمقام سيدنا إبراهيم (علينا سلامهما)، ومقام سيدنا عبد الله (ع) كمقام سيدنا إسماعيل (ع)، ولهذا قال سيدنا رسول الله (ص): (أنا ابن الذبيحين).

وكان ما كان من الفداء في قوله تعالى: (وفديناه بذبح عظيم)، حيث اجتمعت قريش وقالت له: يا عظيمنا وسيدنا لا تذبح عبد الله، وانحر عنه عشرا من النوق. فقال سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه): (لا أفعل ذلك إلا بقداح)، وهو من أنواع القرعة التي قال فيها سيدنا النبي سليمان الحكيم (ع): (القرعة تبطل الخصومات وتفصل بين الأقوياء. القرعة تلقى ومن الرب حكمها)، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) قوله: (أية قضية أصدق من جواب القرعة إذا فوض الأمر إلى الله لقوله تعالى: فساهم فكان من المدحضين)، فأحضر سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) عشرا من النوق وأقامها بإزاء سيدنا عبد الله (ع)، وساهم عليهما، فخرجت القداح على سيدنا عبد الله (ع)، فأضاف على العشر عشرا، فلم يزل يقادح ويزيد عشرا، ويخرج القداح على سيدنا عبد الله (ع) إلى أن تمت مئة ناقة، فساهم عليها وعليه فخرجت القداح على النوق، فكبر وكبرت قريش، فنحرت النوق، وتقرب لله بها.

هنا لابد أن ننوه إلى أن هذه المساهمة تختلف عن تلك التي ذكرت في قوله تعالى: (وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق)، لأن المذموم منها يتعلق بما كانت تفعله قريش بالتوجه إلى الأصنام والتقرب إليها، أما توجه سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) فكان لله الأحد، وهنا كان استقسامه محمودا نسبة لقرينة التوجه للحق، لأن سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) ما كان ليتوجه إلى عبادة الأصنام لا هو ولا أي من آباء سيدنا النبي محمد (ص)، حيث ورد عن الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) أن النبي محمدا (ص) قال للإمام علي (م): (لم يكن عبد المطلب يلعب القمار، ولم يعبد الأصنام، وكان يقول: أنا على دين أبي إبراهيم)، كما ورد أيضا قول النبي (ص): (لقد أجرى عبد المطلب خمس سنن في الجاهلية قد أقرها الله في الإسلام) وهي: تحريم زواج الابن من امرأة أبيه، والخمس، وسقاية الحج، ودية المقتول مئة ناقة، وأشواط الطواف السبعة.

فيما سبق رد على من حاول النيل من سيدنا عبد المطلب (علينا سلامه) وسيدنا عبد الله (ع) إذ اختلق البعض حديثا منسوبا كذبا عن سيدنا النبي محمد (ص) أنه قال لرجل مجهول لم يذكر حين سأله: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار! كما أن المفترين تطاولوا حين زعموا أن سيدنا عبد الله وسيدنا عبد المطلب من أهل النار بحجة أنهما لو بقوا أحياء ودعوا إلى الإسلام لكانوا رفضوا! معاذ الله.

وقد كان من فضل سيدنا عبد الله بن عبد المطلب (ع) ما روي من أن أحبار الشام كانت عندهم جبة صوف بيضاء، وكانت مغموسة في دم رسول الولاية يحيى بن زكريا (علينا سلامه)، وأنهم وجدوا في كتبهم: (إذا رأيتم الجبة البيضاء والدم يقطر منها فاعلموا أن أبا المصطفى قد ولد في تلك الليلة)، فقدموا بأجمعهم إلى الحرم وأرادوا أن يغتالوا سيدنا عبد الله (ع)، فعصمه الله ولم يستطيعوا تحقيق مرادهم.

وكان يأتيه في الرؤيا مناد: (سلام عليك أيها المستودع نور محمد)، حتى أنه كان إذا جلس في موضع يابس اخضر، وإذا جلس تحت شجرة يابسة اخضرت، لكنه لزم التقية وصمت حرصا على إكمال العدة بظهور سيدنا النبي محمد (ص).

وكان حمل سيدتنا آمنة بنت وهب (ع)- وهي أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا- في أيام التشريق عند الجمرة الوسطى، وكانت في منزل سيدنا عبد الله بن عبد المطلب (ع)، وكانت قد سمعت في منامها مناد يقول: (إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض قولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا)، وكانت ترى في الرؤيا نورا يخرج منها يريها قصور بصرى من أرض الشام.

ثم ظهر سيدنا النبي محمد (ص) مولودا من سيدنا عبد الله (ع) لتسع ليال مضت من شهر ربيع الأول في عام الفيل يوم السبت عند طلوع الفجر قبل أن يبعث بأربعين سنة ليقوم بالنبوة والرسالة، ويظهر الشريعة ويقيم الإسلام.

وظهرت ولادته في شعب كافله أبي طالب في الدار الذي صار مسجدا يصلي الناس فيه.

ومضى سيدنا عبد الله بن عبد المطلب (ع) بالمدينة عند أخواله، وسيدنا النبي محمد (ص) ابن شهرين كما ورد عن السيد الأجل الخصيبي وليس كما زعم البعض أنه مضى أثناء الشهر الثاني من الحمل، ولهذا دلالة لا يعرفها إلا العارفون.

ومضت أمه سيدتنا آمنة بنت وهب (ع) وهو (ص) ابن ثلاث سنين، ومضى عبد المطلب (علينا سلامه) وللنبي محمد (ص) نحو ثماني سنين، وأظهر الزواج من سيدتنا خديجة بنت خويلد (ع) وهو ابن بضع وعشرين سنة، فكان له منها القاسم وعبد الله والطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم (وكان اسمها آمنة) وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع).

وبقي بمكة بعد مبعثه ثلاثة عشر سنة، ثم هاجر إلى المدينة وله ثلاث وخمسون سنة، وبقي بها عشر سنين، ثم غاب (ص) يوم الاثنين في شهر ربيع الأول وله ثلاث وستون عاما.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

إيمان آباء الرسول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى