علوم علوية

أصناف الفاسقين

أصناف الفاسقين

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو تعريف الفاسقين بموجب الاصطلاح المستند إلى كلام المعصومين؟

 

الفسق في اللغة هو العصيان، وفي الاصطلاح هو الخروج من الطاعة بدليل قوله تعالى: (كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون)، وله عدة وجوه نعرف من خلالها من هم الفاسقون.

فهم في وجه أول النواصب والمقصرة، والفسق عندهم بمعنى ترك ولاية الأئمة وخواصهم وتولي أعدائهم بدليل قوله تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون).

وهم في وجه ثان المعطلون، والفسق عندهم بمعنى الإنكار المتأصل بهم للآيات السماوية والأرضية بدليل قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون).

وهم في وجه ثالث المشبهون، والفسق عندهم بمعنى التضليل وخلط المثل بالممثول بدليل قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين).

وهم في وجه رابع المرتدون الخونة، والفسق عندهم بمعنى الإنكار بعد إثبات الحجة بدليل قوله تعالى: (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

وهم في وجه خامس المبذرون، والفسق عندهم بمعنى نقض العهد وإفشاء الأمر لغير أهله بدليل قوله تعالى: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين).

وهم في وجه سادس أصحاب البدع والشبهات الذين يعادون أهل الحق العلوي النصيري بدون بينة ويتقولون غير الحق عليهم، بدليل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).

ويمكننا أن نتعرف على الفاسقين المتلبسين في ثوب المصلحين من خلال صفاتهم التي فصلها أمير المؤمنين الإمام علي (م) تفصيلاً حين قال: (الفسق على أربع شعب: على الجفاء والعمى والغفلة والعتو. فمن جفا احتقر الخلق ومقت الفقهاء وأصر على الحنث العظيم)؛ أي من جفا غلظ في عشرة إخوانه المؤمنين وأعرض عنهم وأساء إليهم وتكبر عليهم واحتقرهم، وأبغض وعادى العلماء الموحدين منهم، وأصر على الذنب العظيم وهو التشبيه والشرك لقوله تعالى: (ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا).

وقال أمير المؤمنين الإمام علي (م) متابعًا: (ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن وبارز خالقه وألح عليه الشيطان، وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة)؛ فالأعمى أبطل بصيرته فترك ذكر الولاية وحدها، وأشرك بها ولاءه للمخالف اللعين فابتلاه الله باتباعه، لأن جمع الولاء لا يجوز لقول أمير المؤمنين (م): (لا يجتمع حبنا وحب أعدائنا في جوف إنسان)، فالعميان بإشراك الولاء هم المنافقون الفاسقون في قوله تعالى: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون).

وقال أمير المؤمنين الإمام علي (م) متابعًا: (ومن غفل جنى على نفسه، وانقلب على ظهره وحسب غيه رشدًا، وغرته الأماني، وأخذته الحسرة والندامة إذا قضي الأمر وانكشف عنه الغطاء وبدا له ما لم يكن يحتسب)؛ فترى الغافل لا يشعر بما يصنعه لشدة كفره وبعده عن الإيمان، فيسيء ويخطئ بحق المؤمنين ويقترف الذنوب فيظنها إحسانًا لشدة ظلمة نفسه الأمارة بالسوء التي تصور له الخير شرا والشر خيرًا، ويغتر بأماني التشبيه وغي التعطيل فيحسبهم رشد التوحيد، ويعرض عن كل دعوة صالحة حتى يأتي الوقت المعلوم فيقع فيه قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون).

وقال أمير المؤمنين الإمام علي (م) متابعًا: (ومن عتا عن أمر الله شك، ومن شك تعالى الله عليه فأذله بسلطانه وصغره بجلاله كما اغتر بربه الكريم وفرط في أمره)؛ فالعتو بمعنى الاستكبار، وهي صفة الكافرين كما في قوله تعالى: (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم)، وهذا بسبب شكهم بدليل قوله في تتمة الآية: (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين)، وقوله سبحانه في آية أخرى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرًا)، وهؤلاء العاتون الشاكون سيذلهم الله بسبب شكهم وتقصيرهم كما ذكر جل جلاله بقوله: (فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون)، وقوله: (فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردةً خاسئين).

فهؤلاء الفاسقون لا تقبل أعمالهم ولا صلاتهم ولا صيامهم ولا زكاتهم ولا حجهم ولا قيامهم ولا قعودهم لقوله تعالى: (قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم إنكم كنتم قومًا فاسقين)، ولا ينفعهم دعاء مؤمن بالهداية لهم، ولا مستغفر بطلب العودة لهم لقوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين)، وهم أكثرية البشر بدليل الآية الكريمة: (وإن كثيرًا من الناس لفاسقون)، ولا ينتظرن أحد منهم الرحمة والمغفرة لأن جزاءهم كما قال سبحانه: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى