من قصص الأنبياء

علاقة حزن النبي يعقوب بالبكاء

علاقة حزن النبي يعقوب بالبكاء

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هناك من يحتج أن بكاءه على الإمام الحسين علينا سلامه اقتداء ببكاء سيدنا النبي يعقوب (ع) على الوصي يوسف (م)!

 

هذا من الخلط والقياس الذي وقعوا به لتبرير وتغطية تقصيرهم بحق الإمام الحسين علينا سلامه، فلا يجوز اختلاق حوادث لم يرد ذكرها في القرآن الكريم بوجه صريح، فهل ورد في القرآن الكريم أن سيدنا النبي يعقوب (ع) بكى على الوصي يوسف (م)؟

إن الآيات القرآنية التي وردت في هذا الموضوع حين أتى خبر الذئب تتضمن رد سيدنا النبي يعقوب (ع) بقوله تعالى: (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، فلم يكن فعله بكاء بل صبرا ورضى بقضاء الله وأمره سبحانه.

وما كان الله ليترك نبيه عرضة للبكاء والنحيب، لأن النبي يوحي إليه الله بما لا يعلمه من هو أدنى منه درجة، ومن سياق آيات القرآن الكريم نجد أن سيدنا النبي يعقوب (ع) كان يعلم بوجود الوصي يوسف (م)، وهذه هي التي عبر عنها القرآن الكريم بأنها الحاجة في نفس يعقوب، لكنه كان ينتظر الأمر الإلهي بلقائه، لذلك جاء قوله تعالى: (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) فهذه كانت وصيته لهم، وفيها الكثير من الإشارات التوحيدية الدالة على أن الآيات والسمات والتجليات لو تعددت وتنوعت فإن المقصد هو الحق تعالى، لذلك قال تعالى: (وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون)، وهذه دعوة نبوية للتوحيد المتمثل بإثبات المشاهد أولا، وإفراد ذات الحق عن السمات المشهودة ثانيا لأنها عائدة إلى الشاهدين، وذات الحق أجل وأعلى مما تشهده الأبصار والبصائر لقوله تعالى: (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين)، وقول سيدنا رسول الله محمد (ص): (كل ما خطر ببالك فالله غيره).

وتحققت نبوءة سيدنا النبي يعقوب (ع) وهي الحاجة المقضية في قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، فالله عز وجل قضى حاجة سيدنا النبي يعقوب (ع) أي أظهر صدق نبوءته بوجود الوصي يوسف (م) من خلال هذا الأمر بالدخول من أبواب متفرقة في قوله تعالى: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون)، فلو أنهم دخلوا معا لما حصل هذا الأمر، لكن دخول سيدنا بنيامين (ع) من باب وحده كان سببا لإيواء الوصي يوسف (م) له وإخباره عن نفسه، وهنا قضيت حاجة سيدنا النبي يعقوب (ع) وتحققت نبوءته، وهذا أكبر دليل على معرفته التي أوحاها الله إليه، فلماذا البكاء الذي يصوره أولئك نحيبا على فقد الوصي يوسف (م) حتى يصل إلى الاعتراض على أمر الله سبحانه معاذ الله؟

حتى أن الآية التي يحتجون بها لم تذكر البكاء إنما هي قوله تعالى: (وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم)، فأسف سيدنا النبي يعقوب (ع) هو استكانة وإظهار لخضوعه لأمر الله وعجزه مع أنه يعلم بالوحي أمر وجود الوصي يوسف (م)، بدليل قوله تعالى: (قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون)، إلا أنه مأمور بالصمت الممثول ببياض العينين وهذا دلالة على ارتقائه لأن في بياضهما إشارة إلى اكتمال معرفته بتجلي الرب، فلما عرف التجلي كتم أسرار الحزن الذي أظهره؛ أي كتم أمره تقية وهو قوله: (فهو كظيم) أي متق، إلى أن يشاء الله فيظهر أمره، وإظهار الأمر كان في قوله تعالى: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، وكانت دلالة صدق نبوءته عودة البصر إليه في قوله تعالى: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا)، وهو إشهار معرفة الحق التي كانت مكتومة فظهرت بالأمر الإلهي: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون).

فغياب الوصي يوسف (م) عن عيني النبي يعقوب (ع) عبر عنه بالعمى، أما القميص فكان مثال التجلي الذي إذا ألقي على وجه سيدنا النبي يعقوب (ع) أصبح بصيرا، فالعمى والإبصار صفتان لسيدنا النبي يعقوب (ع).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

علاقة حزن النبي يعقوب بالبكاء

‫2 تعليقات

  1. رائع جدا هذا الرقي والفن في توضيح وشرح الأفكار والمعاني المراد ايصالها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى