عالم البرزخ
عالم البرزخ
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
في مواجهة القياس والاجتهاد كان النهج الحق يؤكد على التزام النص الوارد عن المعصومين عبارة وإشارة. ومن المفاهيم التي اختلطت على البعض فصححها نهجنا الحق مفهوم البرزخ.
فقد التبس عليهم مفهوم البرزخ حين اعتقدوا أنه يمثل مرحلة القبر عند حساب ومساءلة ومعاينة الملائكة مستندين إلى قول الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (إنما يسأل في قبره من محض الإيمان والكفر محضا، وأما سوى ذلك فيلهى عنه)، مع أنه لم يذكر كلمة البرزخ في الحديث كله، لكنهم ظنوا أن حياة القبر هي البرزخ اعتمادا على روايات موضوعة كرواية التقاء سلمان وعبد الله بن سلام إذ قال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فأخبرني ما صنع بك ربك، وإن أنا مت قبلك لقيتك فأخبرتك، فقال عبد الله بن سلام: كيف هذا؟ أو يكون هذا؟! قال: نعم، إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، ونفس الكافر في سجين!
كذلك لم يفهموا ما هو المقصود من قول سيدنا رسول الله محمد (ص): (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ أي محمد؟ أما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا ويفسح في قبره. وأما المنافق الكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين)، وظنوا أن العذاب والنعيم في القبر يقع على جسد الميت، فيتأثر الجسد بالعذاب فتتألم الروح منه، كما لو كان حيا، لكن هذا غير صحيح لأن العذاب واقع بالنفس لا بالجسد بدليل قول الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (بني الجسد على أربعة أشياء: الروح والعقل والدم والنفس، فإذا خرج الروح تبعه العقل، فإذا رأى الروح شيئا حفظه عليه العقل، وبقي الدم والنفس)، فالروح والعقل في البرزخ المذكور في سورة “المؤمنون” في قوله تعالى: (لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)، والدم والنفس في القبر، ويقصد بالنفس النفس الحيوانية الشهوانية.
من مفاهيم البرزخ في نهجنا الحق أنه الفاصل ما بين عالم الطبع وعالم المثل، وسمي برزخا لكونه بين الدنيا والآخرة، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان، والآخرة دار راحة وقرار، لقوله تعالى: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)، والمأثور عن الأنبياء (ع): (إن عالم البرزخ عالم تتخلص فيه النفوس من شوائبها الغريبة).
ونحن نفهم أن معنى البرزخ أعمق أيضا من ذلك، فقد وردت كلمة البرزخ في سورة “الفرقان” في قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا)، وقد شرح أمير المؤمنين الإمام علي (م) هذا بقوله: (سموهم بأحسن أمثال القرآن- يعني عترة النبي- “هذا عذب فرات” فاشربوا “وهذا ملح أجاج” فاجتنبوا)، والبرزخ بينهما هو الصراط المستقيم في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)، والصراط طريق الدين المسلوك إلى المعرفة والجنة، وهذا الصراط هو استقامة التوحيد الحق ضد انحراف واعوجاج الشرك الباطل، لذلك كان حجرا محجورا أن يسلكه إلا المؤمنون، وسترا ممنوعا على الكافرين، لأن المؤمن يبقى على الفطرة الأصلية التي هي الإيمان والمعرفة بالله الثابتان من دون تغير الطعم، وهو البحر العذب ماؤه الفرات سائغ شرابه يروي قلوب المؤمنين التي إذا وردت عليها الرموز والمعاني الحقيقية تقبلها وتزداد إشراقا وسرورا لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م) لكميل بن زياد: (إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها)، وقد قال تعالى: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه)، فبقدر صفاء قلوب المؤمنين تقبل الاستنارة والمعارف الإلهية والعلوم الربانية، فالله عز وجل يزيل عن قلب المؤمن الران ويهديه إلى الطريق القويم والصراط المستقيم بالبرهان القاطع والدليل الساطع، أما الكافر والمشرك فقد شبعا من البحر المالح الأجاج الذي لا تقبله إلا القلوب المنكرة للحقيقة، وإن اطلعت على سر الإيمان تؤوله وتحرفه إلى غير موقعه، لأن هذه القلوب مريضة محجوبة بالشك والشرك والريب، لا يستقر بها تلويح ولا تصريح، خالية من توحيد الله، فهي لا تنتفع بالمواعظ، إذ غلبت عليها الشقاوة والغباوة.
فالله سبحانه مرج البحرين وأظهر المثل دليلا على الممثول في قوله تعالى في سورة الرحمن: (مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان)، فالتقاء البحرين توحيديا يكون من حيث الشهادة إثباتا، والإفراد تحقيقا، بدليل قول سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (أنا والآب واحد، وهو أعظم من الكل)، وهذا التوحيد يمثل عدم البغي لأن ميزان الحق يتصف بالعدل لا بالبغي، لكن الكافر نسب البغي للميزان لأنه أنكر المرسل بعد أن رأى الرسول، وكذلك المشرك فعل لأنه زعم أن الرسول ماهية للمرسل، فمثلهما كمثل النبات اليابس مهما أجريت عليه من الماء العذب لا ينتفع به، وهو كالهباء المنثور الذي تذروه الرياح، لأنهما لم يسمعا قول سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات).
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا



حياك الله وبياك وجعل الجنة مثواك
وحياك ربي