زينة الله
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
لابد من التنويه على أن البعض خلطوا بين زينة الله وزينة الحياة الدنيا في شروحاتهم القرآنية السطحية، لذلك وجب علينا توضيح معاني زينة الله ابتداء من قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون).
فقد زعموا أن هذه الزينة هي ما يستر العورة عند الصلاة والطواف، لأن الناس كانوا يطوفون عراة بالبيت، فأمرهم الله بلبس الثياب، وكانوا لا يأكلون إلا قوتا فأمرهم الله أن يأكلوا ويشربوا ولا يسرفوا! كما زعموا أن زينة الله هي اللباس والثياب من القطن والكتان والصوف! وأن الطيبات هي المستلذات من المآكل والمشارب! فوقع فيهم قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين)، وقوله سبحانه: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم).
لكن دين الله لا يتجسد بالمظاهر ولا بالمأكل ولا بالملبس، بل بالتقوى والأعمال الصالحات وفعل الخيرات، لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (طلب الجمع بين الدنيا والآخرة من خداع النفس).
فالزينة ليست لباسا، بل هي رمز لأمر أسمى بدليل قوله تعالى: (بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى)، وقد قال الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه): (أترى الله أعطى من أعطى من كرامته عليه، ومنع من منع من هوان به عليه؟ لا، ولكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع)، فالودائع هاهنا ليست نقدية، بل الودائع هي العلم لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (العلم وديعة الله عند العالم للمتعلم، فمن لم يؤد الوديعة سلبت منه تلك الوديعة)، فهذا المال المودع هو العلم الذي أمرنا الله سبحانه بأخذه من أهل العصمة في قوله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)، وهذا العلم هو الزينة التي يتزين بها المؤمنون عند كل مسجد، ليعرفوا إثبات تجلي الحق في كل دعوة، وهو معنى الأكل والشرب الحلال في هذه الآية، مع الأمر بعدم الإسراف في الأكل والشرب؛ أي عدم الوقوف عند إثبات الأسماء والصفات والأفعال كماهيات، كي لا يقعوا بالتشبيه والشرك، وذلك معناه وجوب إفراد الذات بعد إثبات وجود الأسماء والصفات والأفعال، وهو التوحيد الخالص.
فدين الحق هو زينة الله في قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده)، وقد أخرجها الله لعباده المؤمنين بإظهار نبيه الأكرم سيدنا محمد (ص) ليعرفهم دين الإسلام، وأما الطيبات من الرزق فهي العلوم الدينية والمعارف الإلهية التي خصهم بها بقوله: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا)، وجعلها نجاة لهم بقوله: (خالصة يوم القيامة)، فتحريمهم لهذه الزينة هو تكذيبهم للنبي محمد (ص) وإنكارهم دعوته للولاية.
لكن زينة الله عند المؤمنين البالغين في علم التوحيد هي الآيات الإلهية السماوية والأرضية التي أظهرها الله تعالى لعباده المؤمنين ليعرفوه بها ويثبتوا وجوده ويوحدوه عن بينة، فمن حرمها فقد نفاها وعطل الوجود وكان من المعطلين المنكرين الكافرين. وأما الطيبات من الرزق فهي سمات الأولية والكمالية والآخرية التي اتسمت بها هذه الآيات عند ظهورها لتكون نجاة لهم في الحياة الدنيا، وخلاصا لهم في الآخرة، وكل ذلك خاص للمؤمنين بدليل قول سيدنا رسول الله محمد (ص): (جميع ما جعل الله في الدنيا إنما هو للمؤمن مقسوم، وما لأعداء الله فيه من نصيب).
أما بالنسبة للتحريم فهو للفواحش الظاهرة والباطنة بدليل قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). فقد حرم الله الفواحش ظاهرا وباطنا، وهي عقيدة التعطيل والتشبيه الباطلة التي يدعو إليها أئمة الجور بعلومهم التي زخرفوها وحرفوها وبدلوها بدليل ما ورد من شرح الآية عن الإمام جعفر الصادق (علينا سلامه) بقوله: (إن القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرم الله في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الجور، وجميع ما أحل الله في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمة الحق. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون؛ أي تتقولوا وتفتروا)، ففي قوله سبحانه وتعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) نهي عن القول والإفتاء بالرأي بدليل ما ورد عن الإمام محمد الباقر (علينا سلامه) حين سئل: ما حجة الله على العباد؟ فقال: (أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون).
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا


