الأنوار المحمدية الرحمانية
الأنوار المحمدية الرحمانية
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
يجب أن نتصدى لحملات التشويه والطعن التي طالت سيدنا رسول الله محمد النبي (ص) باتهامهم له بالبشرية وتفريطهم بمقامه العظيم إيمانا بقوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم)، فمقام سيدنا النبي هو من أرفع المقامات لأنه أول الموجودات بدليل قوله (ص): (أول ما خلق الله نوري)، كما ورد بالمعنى نفسه عن سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) قوله: (والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم).
ولأننا لا نفرق بين نبي ونبي فكلهم في المقام نفسه لقوله تعالى: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)، فإننا وإن اختلفت المظاهر ندرك أن ما يقع على سيدنا النبي آدم (ع) ينطبق على سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) لقوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)، فالخلق من تراب هو رمز لمماثلة البشر ليفهموا عنه أمره ونهيه ويبلغ رسالة ربه، أما الأمر بقوله: (كن) فدليل على أن إيجاده ليس كإيجاد البشر، بدليل قول سيدنا النبي عيسى المسيح (ع): (قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني)، فالآية والحديث يدلان على أن فعل المماثلة البشرية وقع على الأرض لا في السماء، وقد سجد الملائكة للنبي آدم (ع) حين أمرهم الله تعالى بالسجود له طاعة، فأنكر إبليس (لع) نورانيته بقوله: (أأسجد لمن خلقت طينا)، وهذا دليل على اختلاف النظرة للأنبياء بين أهل الحق وأهل الجحود، لذلك ربط الله طاعة الملائكة له بالسجود لآدم كما ربط طاعته بطاعة رسوله في قوله: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون).
وكما ينطبق على آدم وعيسى (ع) هذا التكوين المشيئي، ينطبق أيضا على سيدنا النبي محمد (ص) القائل: (إني لست كأحدكم، إني أظل عند ربي)، لكن البعض احتج بقوله تعالى على لسان نبيه: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)، فلولا ماثلهم لما فهموا عنه رسالته، إلا أنه يوحى إليه، والبشر لا يوحى إليهم، فكيف للبشر أن يفهموا لغة الوحي النوراني؟ ولو كان هذا جائزا لما توقفت النبوة عند خاتم النبيين، ولجاز أن نصدق مدعي النبوة اليوم، وهم يدعون أنه يوحى إليهم!
وقد تساءل المشركون آنذاك: لماذا لم ينزل معه ملك؟ أو لماذا لم يكن الرسول ملكا؟ فكان الجواب الإلهي بقوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون، ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون)، فكيف يقع الاختبار والاصطفاء للمؤمنين لو كانت الأمور واضحة المعالم؟ أو لو كان الرسول بشرا ومعه ملك ظاهر بنورانيته؟ أو لو كان النبي ملكا فكيف سيفهمون عنه؟ إلا أن في الآية إشارة إلى أنه حتى لو كان ملكا لكان سيظهر رجلا تلبيسا على الجاحدين.
فالنبي الموجود في أول التكوين في قول سيدنا رسول الله محمد (ص): (أول ما خلق الله نوري)، ليس بشرا، بل هو الكلمة التي ذكرها سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) بقوله: (في البدء كان الكلمة)، وهو لم يولد ولادة المخاض البشري، بل ظهر مولودا لتبليغ الرسالة في التاسع من ربيع الأول.
وإن احتج محتج فقال: إن سيدتنا مريم العذراء (ع) ولدت سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) بالمخاض في قوله تعالى: (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة)، قلنا له: هل مخاض مريم كمخاض البشر وقد كان الحمل والولادة في ساعة واحدة؟ فسبحان القائل: (إن في ذلك لآية للمؤمنين).
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا



حماك الواحد الاحد
بوركت