قضايا توحيدية

الأسماء الحسنى ومفهوم العبادة

الأسماء الحسنى ومفهوم العبادة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لا يجوز أن تكون عبادتنا للأسماء الحسنى كالرحمن والرحيم والعليم والقدير و….. لأننا نصل في توحيدنا إلى مرحلة التجريد الخالص بعد الإثبات، فنحقق ميزان التوحيد في الإثبات والإفراد، والذي يفقد المشبهون والمعطلون- على حد سواء- أحد كفتيه.

إن من عبد الأحد تعالى، وأشار لأسمائه الحسنى على أنها أسماء وصفات الله، وأن ذاته تعالى فوقها، كان موحدا.

أما من اعتقد أن هناك فاصلة بين الله وأسمائه الحسنى، وجعل الأسماء الحسنى آلهة أخرى غير الأحد عز وجل، فيكون قد فرق بين الله وأسمائه الحسنى وهذا هو الشرك والضلال.

ولكن نقول: من عبد الأسماء الحسنى دون الأحد فقد كفر، ومن عبد الأحد والأسماء الحسنى فقد أشرك، ومن عبد الأحد بحقيقة الإفراد عن الأسماء الحسنى فقد وحد.

فلا يجوز أن نتبع ما زعمه المشبهون والمعطلون من أن (الأحد هو الأسماء الحسنى والأسماء الحسنى هي الأحد!)، منطلقين من فهمهم الخاطئ لقوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى)، فالله تعالى لم يقل: (قل اعبدوا، وأيا ما تعبدوا)، بل قال: (ادعوا)، أي: خاطبوا وتوجهوا بالدعاء باستعمال الأسماء الحسنى، واقصدوا بالعبادة للأحد الحق المنزه عن الأسماء الحسنى، وليس هو هي في الحقيقة والكنه لقوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى).

الله تعالى عرفنا الأسماء الحسنى لإثبات الوجود، ورفقا بالعبد الطائع ليتوجه إليه بها، وذلك لعجزه عن الدعاء من دونها، فهذا هو قدر المخلوق الضعيف، بدليل قول الإمام علي زين العابدين (علينا سلامه): (إلهي لولا الواجب من قبول أمرك لنزهتك عن ذكري إياك، على أن ذكري لك بقدري لا بقدرك، وما عسى أن يبلغ مقداري حتى أجعل محلا لتقديسك، ومن أعظم النعم علينا جريان ذكرك على ألسنتنا).

كمثال توضيحي على هذا نقول: الكرسي من الخشب صنعت وإليه ترجع، أي أن حقيقة الكرسي خشب، وليست حقيقة الخشب كرسيا، بل الكرسي من هيئات الخشب بعد الصنع، له طول وعرض وحد وصفة معروفة. وهكذا يمكن القول: (إن الكرسي خشب)، ولا يمكن القول: (إن الخشب كرسي). فالخشب للتحقيق والكرسي للاستعمال.

بوجه آخر: الصانع هو النجار، الذي له الفضل في الإيجاد والصنع، فالاستدلال على وجود الصانع يكون بآثار الصنعة على المصنوع، والصانع يدعى باسم الصانع بعد الصنع، ولكنه منزه عن فعل الصنعة؛ وهكذا فإن الله تعالى يدعى باسم الرحمن الرحيم بعد وهب الرحمة وينزه ذاته عن فعل الرحمة، ويدعى باسم العليم بعد إفاضة العلم وينزه ذاته عن فعل العلم، ويدعى باسم القدير بعد إظهار القدرة وينزه ذاته عن فعل القدرة، حيث ورد عن سيدنا محمد بن سنان الزاهري أنه قال: (كل ما رأيت من قدرة فمن القادر لأن القدرة له)، ولم يقل: لأن القدرة هو.

كما أن واهب الرحمة أجل من الرحمة نفسها، ومفيض العلم أجل من العلم نفسه، ومظهر القدرة أجل من القدرة نفسها، بدليل قول الإمام محمد الباقر (علينا سلامه): (لا يوصف بقدرة إلا من كان أعظم من ذلك)، كما ورد في كتاب تحف العقول عن آل الرسول (ص) أنه قيل للإمام علي الرضا (علينا سلامه): إن قوما يقولون: إنه عز وجل عالم بعلم وقادر بقدرة وقديم بقدم وسميع بسمع وبصير ببصر؟ فقال (علينا سلامه): (اتخذوا مع الله إلها آخر وليس هم من ولايتنا على شيء، تعالى الله عما يقول المشركون والمشبهون علوا كبيرا).

ولا يمكن أن يكون الفعل ماهية لفاعله؛ أي أن تكون: الرحمة ماهية للرحمن الرحيم، والعلم ماهية للعليم، والقدرة ماهية للقدير، ففي هذا نقص لذاته ونقض لما تم إبرامه وحل لما تم عقده، وبالتالي هذا هو الشرك الخفي بالأسماء الحسنى بسبب تعدد الماهيات.

ولا يقال بالمقابل: (إنها غيره بالحقيقة!)، بمعنى أنه لا يقال: (إن الرحمة والعلم والقدرة لا تدل على الإله، لأنها صدرت عن غيره!)، فنكون قد كفرنا من حيث آمنا بدين الحق ونهج الصراط المستقيم.

 

هنا نلخص جوابنا الصحيح بالقول:

إذا أقررت بالرحمة التي هي فعل الرحمن الرحيم، وبالعلم الذي هو فعل العليم، وبالقدرة التي هي فعل القدير، وأنت تقصد إثبات وجود الإله الذي له هذه الأسماء الحسنى (الرحمن الرحيم والعليم والقدير) فقد حققت صلتك بمعرفة وجود الإله وكنت من أهل الإقرار.

وإذا فصلت بينهم، وجعلت الرحمن الرحيم غير الإله، والعليم غير الإله، والقدير غير الإله، وتوجهت إلى الأسماء الحسنى فقط كنت من أهل الإنكار.

أما إذا قلت: إن صفة الرحمن الرحيم غير صفة العليم، وغير صفة القدير، إلا أنهم صفات مختلفة منفصلة لحقيقة واحدة هي الواحدية، ولكن الأحد تعالى أظهرها إثباتا للحجة، وهو بذاته أجل من الصفات والأشياء والأسماء والأفعال والمحسوسات والمعقولات والماهيات جميعها، فقد كنت من أهل التوحيد.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا

الأسماء الحسنى ومفهوم العبادة

‫6 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى