أنوار ليلة الصيام
بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد
هناك إجماع عند الأكثرية على أسبقية النهار على الليل قياسا على قوله تعالى في القرآن الكريم: (ولا الليل سابق النهار)، حتى يجعلوا ليلة الصيام بعد يومها، علما أنه لا يقال: نهار الصيام. بل يقال: يوم الصيام أو يوم الصوم.
هذا الموضوع يشتمل على معان معقدة تتعلق بالتوحيد والخلق والتكوين، والإطالة فيه لا طائل منها، ولكن للتوضيح بإيجاز لوقف الاختلاف أقول: حين يلتمس المسلمون هلال شهر رمضان لا يلتمسونه نهارا لمعرفة أول الشهر، لأن الهلال في أول بزوغه يظهر وقت الغروب ليدل على بدء الشهر الجديد، فإن ظهر عند غروب شمس الجمعة، هل نعد يوم الجمعة هو أول شهر رمضان أم يوم السبت؟
إن كان يوم الجمعة فقد أفطرنا أول يوم وهذا لا يجوز، وإن كان يوم السبت فنحن استقبلناه مع هلال الشهر ليلة الصيام حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم نتم الصيام في اليوم إلى الليل بدليل قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام) إلى قوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل).
هذا يتوافق مع صوم السيدة مريم العذراء (ع) في قوله تعالى: (فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا)، حيث تمثل لها سيدنا جبرائيل (ع) مبشرا بظهور سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) ليلا، وأمرها بإقامة الصوم يوما.
وهكذا لنكمل عدة الشهر في قوله تعالى: (ولتكملوا العدة)، فيتم التماس هلال شهر شوال، فإذا ظهر أعلن ليلا عن استقبال شهر شوال بيوم الفطر المبارك.
هذا الشرح السابق كله لا علاقة له بالليل والنهار المذكوران في كتاب الله، وهما من آيات الله لقوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر)، وفي الآيات جميعها قدم ذكر الليل على النهار ليس لفضل أحدهما على الآخر لقوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)، فتارة يوحي بتقدم النهار في قوله تعالى: (ولا الليل سابق النهار)، وتارة يوحي بتقدم الليل في قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)، وهما في كلا الحالين مخلوقان مجعولان متناوبان، كي لا يثبت فضل أحدهما على الآخر، لأنهما آيتان وجوديتان لا وجود لهما قبل الخلق والتكوين، وكي لا يظنن أحد أن الليل المظلم هو الذات الإلهية.
فالليل والنهار إذا آيتان للاستدلال كالرتق والفتق والسكون والحركة. وإن تقدم الليل على النهار في الوجود كتقدم الرتق على الفتق والسكون على الحركة، ولكن لا تفاضل بينهما من حيث الجوهر لأنهما لا يجريان على الباري تعالى بذاته لقول أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه)، وهم يخضعون للمكان والزمان، أما الباري تعالى بذاته فكما قال أمير المؤمنين الإمام علي (م): (سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله)، كما أشار إليه سيدنا النبي عيسى المسيح (ع) بقوله: (أعترف بك إلهنا الأحد الذي ليس لك من بداية ولا يكون لك من نهاية، لأنك برحمتك أعطيت كل الأشياء بدايتها وستعطي بعدلك الكل نهاية، لا شبه لك، لأنك بجودك غير المتناهي لست عرضة للحركة ولا لعارض).
لابد من التنبيه إلى أن قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) لا علاقة له بموضع حديثنا هنا، لأن هذه الآية لا تشير إلى أسبقية الليل أو النهار، بل إلى ترتيب الصلوات الخمسة، حيث أمر تعالى بالبدء عند دلوك الشمس مشيرا إلى أن أول صلاة هي صلاة الظهر ثم العصر ثم المغرب (وهي الصلاة الوسطى) ثم العشاء ثم الفجر، لا كما يرتبها البعض بدءا من الفجر إلى العشاء، ولينتبه القارئ فلا يعتمدنها دليلا على تقدم النهار، إذ لو قاس بذلك لصار أول اليوم عند الظهر وهذا محال، ولكن لهذا الترتيب إشارة يعقلها أولو الألباب.
نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم
الباحث الديني الدكتور أحمد أديب أحمد
لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا


