المباهلة والإبداع الإلهي

0 552

المباهلة والإبداع الإلهي

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قالَ تعالى: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، فما هُو العلمُ الذي جاءَ للمباهَلةِ في هذه الآيةِ؟

المُباهَلةُ بُنيَت على العلمِ الرَّبانيِّ الذي يُخاطبُ العَقلَ المُؤمنَ، وهذا ما تجلَّى واضحًا في قولهِ تعَالى: (قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). ويَنطوي هذا العلمُ على أهمِّ مفاهيمِ التَّوحيدِ القَويمِ، ألا وهو مفهُومُ الإبدَاعِ الإلهيِّ بإيجادِ الأشــياءِ لا مِن شَيءٍ، وإبداعِها لِتَخرُجَ إلى الوجُود، لإثباتِ الحجَّةِ على مَن لا يَفهم الفرقَ بين الإبداعِ والخلقِ، وهؤلاء كُثُرٌ في هذه الأيَّامِ كأسلافِهم من أصحابِ التَّشبيهِ بالنَّظريَّةِ الصِّفاتيَّةِ والنَّظريَّةِ الفعليَّةِ.

إنَّ الإبداعَ الإلهيَّ هُو بإيجادِ الشَّيءِ لا مِن شيءٍ سابقٍ، لقولِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيحِ (ع): (أعتَرِفُ بكَ إلهَنا الأحد الذي ليس لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لك من نهايةٍ، لأنَّكَ برحمَتِكَ أعطيتَ كلَّ الأشياءِ بِدَايَتَها وسَتُعطي بِعَدلِكَ الكلَّ نهايةً، لا شَبَهَ لكَ، لأنَّكَ بجودِكَ غير المتناهي لستَ عُرضَةً للحركةِ ولا لِعَارِضٍ).

أمَّا الخلقُ فهُو إيجادُ شيء مِن شيءٍ، والإلهُ عزَّ شأنهُ لا يحتاجُ إلى شيءٍ لِيَخلُقَ منهُ شيئًا آخرَ، وإلاَّ كَانَ مُحتاجًا للشَّيءِ الأوَّلِ، ولَبَطُلَتِ الأُلوهيَّةُ معاذَ اللهِ، وهذا ما حَذَّرَ  منهُ سيَّدنا النَّبيُّ عيسى المسيح (ع) بقوله: (الحقَّ أقولُ لكم: أنَّ اللهَ لمَّا كانَ بالحقيقةِ مُستَغْنٍ عن غيرِهِ لم يكُن لهُ حاجةٌ إلى ثَنَاءٍ، وهكذا لَمَّا أرادَ وشَاءَ، أبدَعَ قبلَ كلِّ شيءٍ العقلَ الكلِّيَّ الذي لأجلِهِ قَصَدَ إلى خلقِ الكلِّ، لكي تَجِدَ الخلائِقُ فَرَحًا وبركةً باللهِ، وَيَسَّرَهُ بكلِّ خلائقِهِ التي قُدِّرَ أن تكونَ عبيدًا، هُوَ وحدَهُ لا نِدَّ لَهُ، لا بدايةَ ولا نهايةَ لَهُ، ولكنَّهُ جعلَ لكلِّ شيءٍ بدايةً وسيجعلُ لكلِّ شيءٍ نهايةً).

فالإلهُ عزَّ شأنهُ إنَّما يُوجِدُ الأشياءَ لا مِن شيءٍ سابقٍ لقولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (مَن قالَ: “إنَّ اللهَ خلقَ شَيءٍ مِن شيءٍ” فقد كَفرَ).

وهذه هي النُّقطةُ التي أخطأتْ فيها النَّصارى وأمثالُهم من أصحابِ النَّظريَّةِ الفعليَّةِ والشَّيئيَّةِ، فوَقَعوا بالتَّشبيهِ لأنَّهم اعتَبَرُوا أنَّ الإلهَ أوجدَ النَّبيَّ عيسى (ع) على مبدَأ الخلقِ، لا على مبدَأ الإبداعِ، ولذلك اتَّخذُوا مع اللهِ إلهًا آخَر فَوَقَعُوا بالتَّشبيهِ الصِّفاتيِّ والفعليِّ والشَّيئيِّ و…، ولَو أنَّهم أدرَكُوا وآمنوا بالإبداعِ الإلهيِّ لَكَانَ ذلكَ قد أوصَلَهُم إلى التَّوحيدِ الخَالصِ لقولِ سيِّدنا النَّبيِّ عيسى المسيح (ع): (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> المباهلة والإبداع الإلهي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger