المباهلة نور النبوة

0 505

المباهلة نور النبوة

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قالَ تَعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

 

إنَّ القُرآنَ الكريمَ يَضعُ المُؤمنَ أمامَ قصَّةِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع) على حقيقتِها حتَّى يرفَعَ كلَّ الشُّبهاتِ عنها، وَوَضعِها بمقامِ الوسطيَّةِ، وهو يُقدِّمُها لنا نموذَجًا للموعظةِ والاقتداءِ، لا كما زعمَ الـمُشبِّهونَ أنَّها رمُوزٌ لا حقيقة لها.

فماذا عن ظُهورِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع)؟ ولماذا ظَهَر من أُمٍّ بلا أبٍ؟ ولماذا ظهرَ سيِّدنا النَّبيُّ آدمُ (ع) في أوَّلِ الخلقِ بلا أمٍّ ولا أبٍ؟

هذا هو السُّؤالُ الذي اختَلَفَتْ فيهِ آراءُ أَهلِ الكِتابِ ومازالوا مُختلفينَ في تفسيرِ اختلافِهم.

لنَبدَأ من الحِكمةِ الإلهيَّةِ الدَّالَّةِ على الإبداعِ الإلهيِّ، فإنَّ اللهَ سبحانهُ وتَعالى أظهَر سيِّدنا النَّبيَّ عيسى (ع) مِن أمٍّ بلا أبٍ، كما أظهَرَ سيِّدنا النَّبيَّ آدم (ع) من دونِ أبٍ ولا أمٍّ لقُولهِ تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، ولنتَساءَلْ معًا: ماذا لو أنَّ اللهَ أظهَرَ سيِّدنا النَّبيَّ عيسى (ع) من أمٍّ وأبٍ، أو من دونِ أمٍّ وأبٍ؟ وكيفَ سيتََعاملُ الخلقُ مع ذلكَ؟

إنَّ تلك الولادةَ للسيِّدِ النَّبيِّ عيسى المسيح (ع) ولادةٌ معنويَّةٌ لا ماديَّةٌ جاءت لرسالةٍ خالدةٍ عبرَ الأجيالِ لتكُونَ حُجَّةً على جميعِ الأقوامِ في كافَّةِ الأزمنةِ، فالقرآنُ وضعَ السيِّدَ المسيحَ (ع) في مقامِهِ المحمُودِ، مقامِ النُّبوَّةِ كما سَائر الأنبياءِ، دون رَفعِهم لِمَقامِ العبادةِ ولا إنزَالِهم لِمَقامِ البشريَّةِ، ولكنَّ القومَ الـمادِّيِّين يَربطُون الأسبابَ بمُسبِّبَاتِها الماديَّةِ فقط، ولا يستطيعونَ تجاوزَ هذا القانونِ الْمَحدودِ، لأنَّهم يَقيسُون الأنبياءَ بأنفُسِهم، فعندَهم لا يُمكنُ وجودُ السَّيِّدِ المسيح (ع) بدونِ أبٍ وأمٍّ، وهُنا وَقَعَتِ المشكلةُ لأنَّ ذلك قياسٌ، والقياسُ يُوجب الانعكاسَ، لأنَّ أوَّلَ مَن قاسَ هو إبليسُ اللَّعين، فالإلهُ عَزَّ شأنُهُ أظهرَ سيِّدنا النَّبيَّ آدم (ع) بلا أبٍ ولا أمٍّ، فمَا كان منهم إلاَّ أن أبَوا وحَسَدُوا وكَفرُوا، ثمَّ أظهر سيِّدنا النَّبيَّ عيسى (ع) من أمٍّ بلا أبٍ، فما كان منهم إلاَّ أن جَادَلُوا وعانَدُوا واتَّهَمُوا، ثمَّ أظهَرَ سيِّدنا النَّبيَّ محمَّد (ص) من أمٍّ وأبٍ، فمَا كان منهم إلاَّ أن أشرَكُوا وقاسُوا وشبَّهُوا، فلاحِظوا هذا اللُّطفَ الإلهيَّ في التَّسلسُلِ الرَّحمانيِّ لِيَهلَكَ مَن هلكَ عن بيِّنَةٍ ويحيى من حيَّ عن بيِّنَةٍ.

فَمَن وَقَفَ عندَ الشَّكلِ والْمَنظَرِ والحسِّيَّاتِ سوفَ يجدُ الاختلافَ بطريقةِ الولادةِ الظَّاهرةِ لكلٍّ من آدمَ وعيسى ومحمَّد عليهم السَّلام، ولكن الآيةَ جاءَتْ: (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) لتُؤكِّدَ الحقيقةَ الرَّسوليَّةَ الجوهريَّةَ الثَّابتةَ بأنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ من جهةِ اللهِ لا فرقَ بينهم، فَمَن يَحكُمُ حسب الظَّاهرِ لا يَجِدُ أنَّ النَّبيَّ عيسى (ع) كمثل النَّبيِّ آدم (ع)، لذلك قال المسيح (ع):(لا تَحكُمُوا حسبَ الظَّاهِر ولكن احكموا حُكْمًا عادلاً)، فالأنبياءُ هم أنوارُ اللهِ لقولِ المسيح (ع): (أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ، مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ).

لنَقِف الآنَ عندَ تتمَّةِ الآية: (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ). ماذا يعني هذا التُّراب؟ وإذا كان سيِّدنا النَّبيُّ عيسى (ع) كمثل سيِّدنا النَّبيِّ آدم (ع) قد خلقَهُ اللهُ من تُرابٍ، فلماذا كانَ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) يُسمَّى بأبي تُرابٍ؟ وهل يُقصَدُ بهذا التُّرابِ التُّرابُ الدُّنيويُّ الْمَحسوسُ؟

لقد فسَّــرَ ذلك فيلسُـوفُـنا العمادُ الغسَّانيُّ (ق) بقوله: (دائمًا الـمقصُــودُ بالأمثـالِ مَدلُولاتُها لا الأمثالُ نفسُها، والعارفُ الـمُحقِّـقُ والعالمُ الـمُدقِّـقُ يَعلم أنَّ لفظَةَ “التُّراب” مجازيَّةٌ لا حقيقةٌ، ولو كانت حقيقةً لَوَجَبَ أن تكُونَ الأرواحُ طينًا)، فالتُّرابُ هُنا لفظةٌ مجازيَّةٌ تدلُّ على وجُودِ الأنبياءِ على هذه الأرضِ تمثيلاً على قَدْرِ الْمَدَارِكِ البشريَّةِ كقولهِ تعَالى مُخاطِبًَا السيَّدةَ مريم (ع): (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثـَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —->  المباهلة نور النبوة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger