المباهلة الكبرى

0 545

المباهلة الكبرى

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

 

نعلمُ جميعًا أنَّ اللهَ أعطى سيِّدنا محمَّد وآلَ سيِّدنا محمَّد (ص) فضلاً عظيمًا، فقد جاءَ السَّلامُ من اللهِ سُبحانهُ وتعالى على الأنبياءِ، فقال تَعالى: (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)، وقال: (سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، فما خصُوصيَّة آلِ محمَّد الطَّيِّبين؟

لقد جاءَ في قولهِ تَعالى: (سَـلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِـينَ) تفسـيرُ الإمامِ الصَّـادقِ علينا سلامُهُ: (ياسـينُ هو محمَّد، ونحنُ إلْ ياسين). وأهلُ البيتِ همُ أصحابُ الكِساءِ، وهمُ القُربَى في قولهِ تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).

وأهلُ البيتِ هُم أصحابُ المُباهَلة بقولهِ تعالى: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، فتلكَ آيةُ المباهَلةِ.

إنَّ لِمُباهَلَةِ الأنبياءِ تأثيرٌ عظيمٌ في التَّاريخِ الإيمانيِّ، بسببِ اتِّصالِ أرواحِهم برَوضَةِ الرُّوحِ المُقدَّسَةِ، وتأييدِها المُطلَقِ لهُم ولدعوَتِهم، فالدَّعوةُ المُحمَّديَّةُ دعوةٌ للتَّوحيدِ الخالصِ لتخليصِ الأمَّةِ من الشِّركِ الخفيِّ، حيثُ أنَّ الحقيقةَ المسيحيَّةَ الرَّسُوليَّةَ هي الحقيقةُ الآدميَّةُ الرَّسُوليَّةُ، وكذلكَ هي الحقيقةُ المحمَّديَّةُ الرَّسُوليَّةُ، وهي حقيقةُ الرُّسُلِ الجوهريَّةُ الثَّابتةُ للرُّسلِ، والتي تَتَساوى عندَ اللهِ لقولهِ تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ)، إذْ لا فَرقَ عندَ اللهِ بين حقيقةِ الرُّسُلِ لقوله تعالى: (لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ).

ولكنَّ مَن سَاوى الرَّسُـولَ بالـمُرسِــلِ أشركَ باللهِ ووقعَ بالتَّشبيهِ الفعليِّ، إذْ ليسَ سيِّدنا النَّبيُّ عيسى (ع) من البشريَّةِ في شَيءٍ، ولكنَّهُ ليسَ مَوقعًا للعبادةٍ، لقوله (ع): (الذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي، وَالذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي)، فمَن جعلَ الحقيقةَ المسيحيَّةَ الرَّسُوليَّةَ الصِّفاتيَّةَ حقيقةً لذاتِ اللهِ المقدَّسَةِ فقد أشركَ، وكذلكَ مَن جعلَ الحقيقةَ المحمَّديَّةَ الرَّسُوليَّةَ الفعليَّةَ حقيقةً لذاتِ اللهِ المُقدَّسَةِ فقد أشركَ أيضًا.

لذلك نجدُ سيِّدنا الرَّسُولَ الأعظمَ محمَّد (ص) قد دَعَا إلى شهادةِ (أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وقالَ في يومِ المُباهلةِ للنَّصارى: (إنَّ عيسى عبدُ اللهِ)، فَكَونُ سيِّدنا النَّبيِّ عيسى (ع) مِن دونِ أبٍ لا يُعطي لأحدٍ سببًا ليقول: إنَّه ابنُ اللهِ!! وعندما جَهَرَتِ النَّصارى بذلكَ رَدَّ عليهم رسُولنا الأعظمُ (ص) بقوله: (ما تقولونَ في آدمَ؟ أكانَ عبدَ اللهِ؟)، قالوا: نعم، فقال (ص): (فَمَن أبوهُ؟)، فبُهِتُوا.

فسيِّدُنا النَّبيُّ عيسى (ع) ظهرَ مِن أمٍّ بلا أبٍ، وكانَ ظهورُهُ خارقًا لقوانينِ العادةِ، أمَّا سيِّدُنا النَّبيُّ آدم (ع) فظهرَ من دونِ أبٍ ومن دونِ أمٍّ أيضًا، وهذا يعني أنَّ الولادَاتِ للأنبياءِ والرُّسلِ هي ولاداتٌ معنويَّةٌ لا مادِّيَّةٌ بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (إنَّنا معاشــرَ الأنبياءِ لا نُحمَلُ في البطونِ ولا نَخرجُ من الأرحامِ لأنَّنا نورُ اللهِ الذي لا تَنالُهُ الأدناسُ)، ومع ذلكَ لم يُتَّخَذْ سيِّدُنا النَّبيُّ آدم (ع) إلهًا من قِبَلِ أتباعِهِ، مع العلم أنَّ سيِّدَنا النَّبيَّ عيسى (ع) لم يَدْعُ قومَهُ إلى تأليهِهِ، بل دَعَاهُم إلى التَّوحيدِ الحقِّ في قوله (ع): (أعترفُ بك إلهَنا الأحدَ الذي ليسَ لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لكَ من نهايةٍ، ولا شَبَهَ لكَ بين الخلق).

وهكذا كانت حُجَّةُ رسولِنا الأعظمِ (ص) دامِغَةً لاشَكَّ فيها مُطلقًا، بأنَّ الرُّسلَ لا تَتَساوى مُطلقًا مع مُرسِلِها ولا تُقارَنُ به، فذاتُ الحقِّ الـمقدَّسَــةُ ليس لها شـبيهٌ ولا شريكٌ ولا ابنٌ ولا نظيرٌ ولا نِدٌّ ولا كيفيَّةٌ ولا ماهيَّةٌ ولا أينيَّةٌ ولا شيئيَّةٌ، وهي لا تخطُرُ على عقلٍ وليس للقائلِ فيها مقالٌ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> المباهلة الكبرى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger