حج البيت

0 969

حج البيت

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قالَ تَعالى: (وللهِ على النَّاسِ حَجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبيلاً).

للَّهِ على المُؤمِنينَ عَهدٌ وميثاقٌ مَتِينٌ بمعرفةِ بيتِ اللهِ، الذي هو مقَامُ الحَضرَةِ الأسمائيَّةِ وسَمَاتِها وأفعالِها، فمَن عَرفَها وحَجَّ إليها عَارفًا وشَاهدًا لوجُودِها، واعتَمرَ بمعرفةِ التَّوحيدِ، وطَافَ مُقِرًّا بشهُودِ آياتِها السَّبعةِ، وأتمَّ حَجَّهُ بمعرفةِ أنَّ الإلهَ أجلُّ مِن أنْ يُحصَر أو يُحدَّ ببيتٍ أو بُقعةٍ أو زمانٍ أو مكانٍ، فقد كُتِبَ عندَ اللهِ مِنَ المُؤمنين المُخلِصين.

فالإلهُ جلَّت ذَاتهُ، كانَ ولا بَعد مَعهُ ولا قَبل، ولا فوق ولا تَحت، ولا قُربَ ولا بُعدَ، ولا أين ولا حين، ولا أوانَ ولا وقتَ ولا زمانَ، ولا كونَ ولا مكانَ، ولا كميَّةَ ولا كيفيَّةَ ولا ماهيَّةَ ولا أينيَّةَ، وهوَ الآن كما كان.

فالإطلاقاتُ التَّجريديَّةُ هُنا كلُّها أساسيَّاتٌ كونيَّةٌ للوجُودِ، لِيَنسبَ القيُّوميَّةَ في كلِّ المعَاني، وفي الأبعادِ التي هي أبعادُ الْمَوجودات الزَّمانيَّةِ والْمَكانيَّةِ، فيَثبُتُ الزَّمنُ وجوديًّا بعدَ الإيجادِ فقط بالقولِ: (كان)، وبعد ذلك: (لا بعدَ ولا قبلَ)؛ أي لا يُقاسُ بشَيءٍ من الأشياءِ لقول مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يَتَحَدَّدُ بتحديدِ الْمَحدودِ).

والقولُ: (لا فوقَ ولا تحتَ ولا قُربَ ولا بُعدَ) للتَّجريدِ عن النَّحْويَّةِ والاتِّجاهيَّةِ لأنَّهُ هو مَن أوجَدَها، (ولا كيفَ ولا أينَ) فنَستخدمُ أدواتِ التَّجريدِ لأنَّها الإحاطِيَّةُ الوحيدةُ للمُتَّسَعِ الإيجابيِّ، فَنَسلُبُ الأينَ والكيفَ عنه فَصلاً وتَجريدًا وخُصوصُا، لقول مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يُقالُ له كيفَ لأنَّهُ كيَّفَ الكيفيَّةَ، ولا يُقالُ له أينَ لأنَّهُ أيَّنَ الأينيَّةَ)، فالأينُ هو كونُ الشَّيءِ في المكانِ، والتَّجريدُ عن الأينِ لأنَّه لا يوجد مكانٌ في الأصلِ يَحويهِ، لقول مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يُغَيِّرُهُ زمانٌ ولا يَحويهِ مكانٌ)، فالإلَهُ عزَّ شأنُهُ كانَ ولا مكانَ ولا دهرَ ولا زمانَ، ولا أرضَ ولا سماءَ، ثم كانَ الإبداعُ الإلهيُّ والخلقُ الرَّبانيُّ، فتلطَّفَ وتجلَّى بوجودِهِ سماويًّا وأرضيًّا لِعَالَمَي العقلِ والحسِّ لُطفًا ورحمةً وهدايةً، فسُبحانَ مَن هو كُلَّ يَومٍ في شأنٍ، وهو في ذاتِهِ الـمُقدَّسـةِ الآنَ كما كانَ، لا يُقالُ: (لَهُ حَدٌّ ولا نهايةٌ ولا انقطاعٌ ولا غايةٌ)، ولا حالَ ولا زالَ ولا يَجري عليهِ الحِرَاكُ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> حج البيت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger