مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة

0 1٬914

مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة

حوار عبر وكالة آسيا نيوز- لبنان

يوم الأحد 27 تشرين الثاني ٢٠١٦

يَتساءلُ الكثيرونَ عن المرجعيَّةِ الدِّينيَّةِ لدى الطَّائفةِ العلويَّةِ، هل هي موجودةٌ أم غيرُ موجودةٍ؟ ومَن يُمثِّلها إن كانت موجودةً؟ ومَن النَّاطقُ باسمِ العلويِّينَ في هذا الوقتِ؟

للحديثِ حولَ هذا الموضوعِ كانَ لوكالة آسيا نيوز هذا الحوارُ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ الدكتور أحمد أديب أحمد حيث قالَ: يكثرُ الحديثُ في هذهِ الأيَّامِ عن غيابِ المرجعيَّةِ الدينيَّةِ عندَ العلويِّينَ أسوةً بالمذاهبِ والطَّوائفِ الأخرى، رغمَ أنَّنا إذا نظرْنا بعينِ البصيرةِ وَجَدْنا أنَّ الطوائفَ والمذاهبَ الأخرى تتعدَّدُ فيها المرجعيَّاتُ وتَختلفُ فكريًّا فيما بينها. فَمَرجعيَّةُ أهلُ السُّنَّةِ في الشَّامِ غيرُ مرجعيَّةِ الأزهرِ المصريَّةِ، غيرُ مرجعيَّةِ الحرمِ المَكِّيِّ، عدا عن مرجعيَّاتِ الإخوانِ المسلمينَ والوهابيِّينَ والسَّلفيِّينَ وما إلى ذلك!! كذلك هناكَ تعدُّدٌ في المرجعيَّاتِ الشِّيعيَّةِ في إيران نفسِها، واختلافٌ مرجعيٌّ بين إيران والعراق ولبنان، فهناك أكثرُ من مرجعٍ شيعيٍّ، وهكذا!! وكذا المسيحيُّونَ تتعدَّدُ مرجعيَّاتُهم مع تعدُّدِ طوائفِهم!! وكلُّ هذا مصحوبٌ بخطأ فادحٍ أَلَا وهو أنَّ أغلبَ المرجعيَّاتِ الدِّينيَّةِ تُعمِلُ الرأيَ والاجتهادَ والقياسَ في الحكمِ على القضايا الإشكاليَّةِ، وَتُفتِي بالرَّأي وهذا مُنَافٍ للدِّينِ لقولهِ تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـؤُولاً)، وقولِ الإمامِ الصَّادق علينا سلامُهُ: (خصلتانِ مُهلِكتانِ: أن تُفتي النَّاسَ برأيكَ، أو تدينَ بما لا تعلم).

 

وأضافَ الدكتور أحمد: إنَّنا كعلويِّينَ نؤكِّدُ أنَّ مرجعيَّتَنا لا يمكنُ أن تكونَ مرجعيَّةً بشريَّةً خاضعةً للخطأ والنِّسيانِ والعصيانِ والهَوى، بل يجبُ أن تكونَ مرجعيَّةً معصومةً عن الزَّيغِ والزَّللِ، مترفِّعةً عن القضايا الدُّنيويَّةِ، وهذا لا يتوفَّرُ إلاَّ بالأئمَّةِ المعصومينَ علينا سلامُهُم ومَن تَبِعَهم من أهلِ العصمةِ (ع)، وآخرُهم سيِّدُنا أبو شعيب محمَّد بن نُصير (ع) وأبو عبدِ اللهِ الحسين بن حمدان الخَصيبيُّ (ع)، ودُعاتُهُ المحفوظونَ ومنهم الجلِّيُّ والجسريُّ والطَّبَرانيُّ والحَرَّانيُّونَ (ق)، وذلكَ إيمانًا منَّا بقوله تعالى: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى الله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

 

وحولَ سؤالِنا عن أنَّهُ إنْ لم يكنْ لدى العلويِّينَ اليوم مرجعيَّةٌ دينيَّةٌ فما هو البديلُ الذي يُمثِّلُهم!؟ أجابَ الباحثُ الدِّينيُّ: نحنُ لا نطالبُ بوجودِ مرجعيَّةٍ دينيَّةٍ بشريَّةٍ غيرِ معصومةٍ، لأنَّ الواجبَ هو وجودُ العلماءِ الأتقياءِ الأنقياءِ العارفينَ باللَّهِ الذين وصفَهم تعالى بقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)، هؤلاء العلماءُ الذين كرَّمَهم سيِّدنا الرَّسولُ الأكرمُ (ص) بقولِهِ: (النَّظَرُ إلى وجوهِ العلماءِ تَعَبُّدٌ)، وقد سئلَ الإمامُ الصَّادق علينا سلامُهُ عن معنى ذلكَ فقال: (هو العالِمُ الذي إذا نظرْتَ إليه ذكَّرَكَ بالآخرةِ، ومَن كانَ خلافَ ذلكَ فالنَّظَرُ إليهِ فتنةٌ). فللعلماءِ درجةٌ عظيمةٌ هي كدرجةِ الأنبياءِ تعظيمًا لِمَرتبَتهم، لأنَّ اللهَ تعالى اصطفاهُم بقوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)، فَهُم وَرَثَةُ الأئمَّةِ لأنَّهم يَهدُونَ النَّاسَ وَيَدْعونَ إلى اللهِ في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، لذلكَ أمرَ جلَّ جلالُهُ بإجابَتهم في قوله تعالى: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ)، واتِّباعِ سبيلِهم في قوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ).

 

وعن وجوبِ التزامِ العلماءِ واحترامِهم قال الباحثُ العلويُّ: أوَّلُ ما يجبُ التَّأدُّبُ معهم هو وجوبُ الائتمامِ بإمامٍ عالمٍ عادلٍ، مُتَحَلٍّ بمواصفاتٍ رفيعةِ الشَّأنِ لأنَّه جامعُ الشَّملِ وفاصلُ الأمر لقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، فهو الحاكمُ على المؤمنين لتقدُّمِهِ في العلمِ، فَمَن وَجَدْتُمُوهُ عَالمًا بِفَرائِضِ الإسلامِ، وَسُنَنِهِ ظَاهِرًا وَبَاطنًا، حَافِظًا لكتَابِ اللهِ، عَارِفًا بِحُكْمِهِ وَعَامِلاً بِهِ، يوافِقُ عَمَلُهُ قولَهُ، وسِرُّهُ إعلانَهُ، وَظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ، مُواصلاً إخْوانَهُ بِالْوِلايَةِ، مُلاقٍ لهم بِالْمَحَبَّةِ، ومُجَاهِدًا في سبيلِ اللهِ حقَّ جِهَادِهِ، فاجْعَلُوهُ سَبَبَ نجاتِكُم في الآخرةِ، وتَأَدَّبُوا مَعَهُ، لأنَّهُ السَّببُ الدَّالُّ إلى الدِّيانةِ، والمُرْشِدُ إلى الإيمانِ، والمُخَلِّصُ مِن رقِّ العُبُوديَّةِ. وليس لهذا عمرٌ معيَّنٌ لأنَّ هذا المقامَ لا يرتبطُ بالأعمارِ بل بالفقهِ والأعمالِ حيث يقول مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (العالمُ كبيرٌ وإن كانَ حِدْثًا، والجاهلُ صغيرٌ وإن كانَ كَهْلاً)، فمرتبةُ الإمامِ في النَّاسِ هي مرتبةُ العلمِ والعملِ، والأحقيَّةُ بالتَّقدُّمِ للفقيهِ العالمِ العاملِ. لهذا وجبَ أن يتحلَّى الإمامُ العالمُ بصفاتٍ خاصَّةٍ مَن وجدتُمُوهُ فيها فاتَّبعوهُ.

 

وحولَ مواصفاتِ العالمِ الدِّينيِّ أوضحَ الدكتور أحمد مفصِّلاً بقولِهِ: العَالِمُ مَن خَبِرَ الحَقَائِقَ بَعدَ مَعرِفَةِ الطَّرَائِقِ وَأَفَاضَ اللهُ عَلَيهِ بِهَذِهِ المَعرِفَةِ فَكَانَ حَافِظًا لَهَا عَامِلاً بِهَا لاَ يَنطُقُ عَنِ الهَوَى وَلاَ يَندَفِعُ مَع أَهوَائِهِ لقوله تَعَالَى: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ)، ولا ينصاعُ لأهواءِ المجتمعِ لقولِ الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (خُذ بِمَا خالفَ العَامَّةِ).

والعَالِمُ يَملِكُ نورَ الدَّليلِ عَلَى صِدْقِ قَولِهِ وَعَمَلِهِ نَصًّا مُسنَدًا صَحِيحًا لِقَولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (العَاقِلُ إِذَا تَكَلَّم بِكَلِمَةٍ أَتبَعَهَا حِكمَةً وَمَثَلاً، وَالأَحمَقُ إِذَا تَكَلَّمَ كَلِمَةً أَتبَعَهَا حلفانًا)، فَالدِّقَّةُ وَالحُجَّةُ العَقلِيَّةُ هُمَا سِلاحُ العَالِمِ فِي الحِوَارِ وَالمُنَاقَشَةِ، أَمَّا شِبهُ العَالِمِ فَهُوَ مَن يَعمَدُ إلى السَّطحِيَّةَ فِي الطَّرحِ، وَلِكَي يُغَطِّي شِبهُ العَالِمِ عَلَى ضَعفِ العِلمِ لَدَيهِ يَلجَأُ إِلَى الشُّمُولِيَّةِ فِي طَرحِ أَفكَارِهِ دُونَ الدِّقَّةِ، فيأخذُ بِالقِيَاسِ ويستندُ إِلَى قَوَانِينَ إِنسَانِيَّةٍ وَضعِيَّةٍ دُونَ إِعطَاءِ الأَحكَامِ للقَضَايَا الشَّائِكَةِ.

والعَالِمُ يَبتَعِدُ عَنِ الصُّوَرِ المُبهِرَةِ وَالعِبَارَاتِ المُزَخرَفَةِ وَالأَلفَاظِ الرَّنَّانة إِذ يَهتَمُّ بِالمَضمُونِ وَإِيصَالِ الفِكرَةِ بِالطَّرِيقَةِ المُنَاسِبَةِ إِلَى المُتَلَقِّي وَالسَّائِلِ، أَمَّا شِبهُ العَالِمِ فَهُوَ يُزَيِّنُ حَدِيثَهُ مُستَخدِمًا القَوَافِيَ وَالصُّوَرَ المُثِيرَةَ وَتَرَادُفَ الجُمَلِ لإِبهَارِ المُتَلَقِّي لِيُوهِمَهُ بِأَنَّ الظَّوَاهِرَ حَقَائِقُ، وقد قَالَ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (مَن أسهَرَ عينَ فكرتِهِ، بلغَ كُنهَ همَّتِهِ، ومَنِ اشتَغَلَ بِتَفَقُّدِ اللَّفظَةِ وَطَلَبِ السَّجعةِ نَسِيَ الحُجَّةَ).

وهُنَاكَ نَمَطٌ مِن أَشبَاهِ العُلَمَاءِ يُكثِرُونَ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالقِصَصِ بِغَيرِ بِمغزَى لجَذبِ النَّاسِ إِلَيهِم، وتَجِدُهم يَصُدُّونَ السَّائِلَ بِقَسوَةٍ عِندَ إِحرَاجِهِم وَلاَ يُغَيِّرُونَ الأعرافَ الَّتِي اعتادوا عَلَيهَا لقوله تَعَالَى: (لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)، وتجدُهُم مُتَعَصِّبِينَ لأَفكَارِهِم وَلاَ يَقبلُونَ الحِوَارَ إِلاَّ ضِمنَ حُدُودٍ مُعَيَّنَةٍ لأنَّهم إن تكلَّمُوا خرَّبُوا فيا لَيتَهُم لا يتكلَّمُون عملاً بقولِ الحكيمِ العظيمِ سُقرَاط: (لَو صَمَتَ مَن لاَ يَعلَمُ لَسَقَطَ الاختِلافُ).

أمَّا العَالِمُ فيُودِعُ علمَهُ عِندَ مُستَحِقِّهِ وَلاَ يُفرِّطُ فِي العِلمِ شَيئًا لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) بَل يُؤَدِّي الأَمَانَةَ إلَى صَاحِبِهَا لقوله تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) فَكَيفَ تَكُونُ هَذِهِ الأَمَانَةُ؟

إِنَّهَا بِإِعطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَعَدَمِ حِرمَانِهِ مِنهُ.

 

وختمَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ قائلاً: لابدَّ إذن أن يكونَ الإمامُ العالمُ الجديرُ بهذا المقامِ متَّصِفًا بأهمِّ صفاتِ الكمالِ الإنسانيِّ حتَّى يَستحقَّ أن يَتقدَّمَ على إخوانِهِ المؤمنين ويكونَ سبيلَهم وشَفيعَهم لقولِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (إنَّ إمامَكَ شــفيعُكَ إلى اللهِ، فلا تجعلْ شــفيعَكَ سـفيهًا ولا فاسقًا).

 

أجرت الحوار: علياء جميل

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> مرجعيتنا لا يمكن أن تكون مرجعية بشرية.. بل معصومة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger