بيعة الغدير.. عقد الإيمان وميزان اليقين

0 1٬082

بيعة الغدير.. عقد الإيمان وميزان اليقين

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

إنَّ الحديثَ عن مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م)، سيِّدِ الوصيِّين وإمامِ الصِّدِّيقينَ، أسدِ اللهِ الغَالبِ، أمرٌ صَعبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يتَحَمَّلُهُ إلاَّ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أو نَبيٌ مُرسَلٌ أو مُؤمنٌ امتحنَ اللهُ قلبَهُ بالإيمانِ.

ولهذا نَرى أنَّ سيِّدنا رسُولَ اللهِ محمَّد (ص) جعلَ الدَّعوةَ إلى ولايةِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) جوهرًا لِدَعوَتِهِ المحمَّديَّةِ الإسلاميَّةِ، فالرِّسالةُ هَدَفُها الإسلامُ، والولايةُ هَدَفُها الإيمانُ، وقد أكَّدَ ذلكَ النَّبيُّ الكريمُ (ص) بقوله: (إنَّ لكلِّ نبيٍّ وصيٌّ ووَارِثٌ، وأنتَ يا عليُّ وَصِيِّي وَوَارثِي)، فأخذَ البيعاتِ الأربعةَ لمولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) لتكُونَ الحُجَّةُ الرَّبانيَّةُ كاملةً، فالرِّسالَةُ مُتمَثِّلَةٌ بشهُودِ آيةِ اللهِ الكُبرى لِعَالَمَي العقلِ والحسِّ، والولايةُ مُتمَثِّلَةٌ بإفرادِهِ عن سِماتِهِ وآياتِهِ.

 

إنَّ البيعاتِ هي مُنتهى غايةِ الإسلامِ، فالإسلامُ هو الطَّريقُ والبيعاتُ هي الغايةُ منهُ، لِسُفُورها عن عينِ الحقيقةِ العلويَّةِ في قولِ رسول الله (ص) وصَريحِ كتابِ اللهِ، فالبيعاتُ تجديدٌ للعهدِ والميثاقِ وحثٌّ للإقرارِ وقطعٌ للأعذارِ لقوله تعالى: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ).

 

البيعةُ الأولى: بيعةُ الدَّارِ:

نزلَتِ الآيةُ الكريمةُ: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)، وهُنَا دَعَتْهم النَّفسُ الكاملَةُ للإقرارِ بمَقامِ جنَّةِ النَّفسِ، وهو مَقامُ النَّفسِ الجامعةِ الوجُوديَّةِ، فَجَمَعَهُم الرَّسولُ الأكرمُ (ص) في دَارِهِ وأخذَ بيدِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) وقالَ: (أنا مِن عَليٍّ وعليٌّ منِّي، فعليٌّ إمامُكم والوصيُّ عليكم)، ونزلَتِ الآيةُ: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، فما هو الفوزُ العظيمُ؟

 

البيعةُ الثَّانيةُ: بيعةُ دارِ أمِّ سَلَمَة:

عُقِدَتْ في دارِ أمِّ سَلَمَة وحضَرَها سيِّدنا سلمانُ الفارسيُّ والمقدادُ وأبو ذَرٍّ وعمارُ بن ياسرَ وأبو أيُّوب خالدُ بن زَيدٍ الأنصاريُّ عليهم السَّلامُ أجمعين، فقالَ الرَّسولُ الأعظمُ (ص): (أنا النَّذيرُ وعليٌّ الهادي، وبِعَلِيٍّ يَهتدي الْمُهتدُونَ، وإنَّ عَلِيًّا مع القرآنِ والقرآنُ مع عليٍّ لا يَفتَرِقَان).

فالرَّسولُ الأكرَمُ (ص) هو الدَّاعي، وهو العقلُ القرآنيُّ، دَعَاهُم إلى معرفةِ مَقَامِ جَنَّةِ القلبِ الذي يَجمَعُ بينَ الشُّهُودِ العقليِّ والنَّعيمِ القلبيِّ. ونزلَ قولُهُ تعالى وتَلاها سيِّدنا سلمانُ الفارسيُّ (ع): (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)، فما هو الأجرُ العظيمُ؟

 

البيعةُ الثَّالثةُ: الخيزران (بيعةُ الرِّضوَان):

تمَّتْ هذهِ البيعةُ خارجَ المدينةِ تحتَ شجرةٍ غُصُونها كالخَيزرانِ تُظِلُّ أكثرَ من خَمسمائةِ رجُلٍ، فقالَ فيها سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص): (عليٌّ منِّي كرَأسِي من جَسَدِي)، ودَعَاهُم العقلُ الكُلِّيُّ إلى معرفةِ مَقامِ جَنَّةِ العقلِ، فنزلَتِ الآيةُ وتَلاها سيِّدنا المقدادُ (ع): (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)، فما هو الفتحُ القريبُ؟

 

البيعةُ الرَّابعةُ: بيعةُ الغدير:

وفيها نزلَ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)، حيث نزلَتْ هذهِ الآيةُ في الثَّامنِ عشَرَ من شهرِ ذي الحجَّةِ، في يومِ الغديرِ، وهو اليومُ الذي خَتَمَ اللهُ دِينَهُ بمَا أمرَ العقلَ القرآنيَّ أن يُبَلِّغَهُ في مُستَوَى القضيَّةِ الكُبرى وهي معرفةُ الحقِّ الجوهريِّ، وقد جاءَ ذلكَ بعد أن جاءَ النَّبيُّ (ص) من حجَّةِ الوداعِ، ومعهُ جمهورٌ كبيرٌ من المسلمين، فأنزلَ اللهُ عليهِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وهنا اجتَمَعَتِ العقولُ الكُلِّـيَّةُ والجواهِرُ العقليَّةُ مُقِرِّينَ بما تَمَثَّلَ لهم من الْمَقَاماتِ الكُلِّـيَّةِ حقًّا وإيجادًا، دَاعِينَ الخلائقَ لإتمامِ تَوحيدِهِم وتمامِ دِينِهم بإجلالِ وتعظيمِ جَوهرِ الوحدةِ عن سِمَاتِ وحدودِ الكَثرَةِ. فالرِّسالةُ المحمَّديَّةُ هي بمقامِ الجِنَانِ الْمَشهُودَةِ، وأمَّا الولايةُ فهي بمَقامِ الرُّوحِ لهذهِ الرِّسالةِ. فالرِّسالةُ إثباتٌ وإيجادٌ والولايةُ إفرادٌ وتجريدٌ. فَمَن أثبتَ الرِّسالَةَ وأنكرَ الولايةَ هو كَمَن أسْلَمَ ولم يُؤمِنْ، وهو أيضًا كَمَنْ أثبَتَ الوجودَ لعالَمَي العقلِ والحسِّ ولم يُفْرِدْ واجبَ الوجودِ، فيكونَ بذلكَ قد وَقَعَ بالتَّشبيهِ، أعاذَنا اللهُ وإيَّاكم.

لذلكَ نجدُ سيِّدنا الرَّسولَ الأكرمَ (ص) قد دَعَا إلى هذهِ البيعةِ، وهي البيعةُ الكُبرى، وجَعَلَها عقدَ الإيمانِ وميزانَ اليقينِ وأساسَ الدِّينِ ودُعاءً بالحمايةِ الرَّبَّانيَّةِ لأصحابِ هذه العقيدةِ المحمَّديَّةِ العلويَّةِ بقوله (ص): (اللهمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَن عَادَاهُ، وانْصُرْ مَن نَصَرَهُ، واخذُلْ مَن خَذَلَهُ، وأَدِرِ الحقَّ مَعَهُ كيفما دَارَ)، وعندَها نزلَتِ الآيةُ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)، وبهذهِ الآيةِ اخْتُصِرَ الدِّينُ كلُّهُ، فقد أدَّى الرَّسولُ الرِّسالَةَ، وخَتَمَ الدِّينَ بالولايَةِ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> بيعة الغدير.. عقد الإيمان وميزان اليقين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger