فلسفة البسملة

4 3٬084

فلسفة البسملة

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

عندَ البحثِ والاستدلالِ عنِ عظمةِ البسملَةِ، يقفُ الإنسانُ أمامَ تصوُّراتٍ يجبُ أن تُبحثَ بعيدًا عن الظُّنُونِ، لقُولهِ تَعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)، والبحثُ الذي يَجعَلُنا على هُدى من الحقِّ هو ميزانُ الحَقائِقِ الذي يُحدِّدُ القَناعةَ الـمُزيلَة للأهواءِ.

فأصحَابُ الفِطرَةِ النَّقيَّةِ والشَّمائِلِ الرَّضيَّةِ، عَرَفوا أنَّ سرَّ الكُتبِ الأربعةِ المُنزَلَةِ المُسمَّاةِ (مقَامَ الجَمعِ) مَوجُودٌ في القُرآن، وأنَّ سرَّ القُرآنِ المُسمَّى (التَّجلِّي المُضَاف) مَوجُودٌ في سُورةِ البَقرة، وأنَّ سرَّ سُورةِ البقرةِ المُسمَّاةِ أيضًا (مقَام الجمعِ) موجُودٌ في آية الكُرسيِّ، وأنَّ سرَّ آيةِ الكُرسيِّ (وهي بمقامِ الحضرةِ الإلهيَّةِ) موجُودٌ في سُورةِ الفاتحةِ، وأنَّ سرَّ الفاتحةِ المُسمَّاةِ (الصُّورة النَّوعيَّة) موجودٌ في البَسمَلةِ، فالبسمَلةُ كما يدلُّ الحديثُ هي أوَّلُ كلِّ كتابٍ نزَلَ من السَّماءِ. فما علاقَةُ البسملةِ بالكُتبِ السَّماويَّةِ وبالقرآنِ وسُورةِ البقرةِ وآيةِ الكُرسيِّ والفَاتحةِ؟؟

البسملةُ آيةٌ من أربعِ كلماتٍ، وتسعةَ عشَرَ حرفًا، ولكُلِّ كلمةٍ وحرفٍ منها سِرٌّ عظيمٌ يَدعونا لتكوينِ القَناعةِ اليَقينيَّةِ للآياتِ القرآنيَّةِ، لذا كانَ الإجهارُ بها في الصَّلاةِ واجبًا، حيث قال الرَّسولُ الكريمُ (ص): (كُلُّ أمرٍ لم يُذكَر فيه: “بسم الله الرَّحمن الرَّحيم” هو أبتَر).

ومعنى البَسملةِ كما قال مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (البسملةُ تعني الاستعانةَ على الأمورِ كلِّها باللهِ الذي لا تَحِقُّ العبادةُ إلاَّ لذاتِهِ).

وهي آيةٌ من آياتِ الفاتحةِ، حيثُ قال مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (إنَّ البسملةَ مِن الفاتحةِ، وإنَّ رسولَ اللهِ كانَ يَقرؤُها ويَعُدُّها آيةً منها)، وقد حاولوا إخفاتَها بقولِهم: إنَّ البسملةَ ليسَتْ من الفاتحةِ، فَرَدَّ عليهم مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) بقوله: (مَا لَهُم قاتَلَهُم اللهُ عَمَدُوا إلى أعظَمِ آيةٍ في كتابِ اللهِ فَزَعَمُوا أنَّها بدعةٌ إذا أظهَرُوها).

وجاءَ في تفسيرِ الآيةِ عن أئمَّةِ أهلِ بيتِ رسولِ اللهِ علينا سلامُهُم، وهُمُ البابُ لكُلِّ جَوهرٍ كريمٍ، والسِّرُّ لكُلِّ عنصُرٍ شريفٍ، ومعدنُ العلمِ وينبوعُ الفهمِ، عندما سُئِلوا عن (بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرّحيمِ) أنَّهم قالوا: (الباءُ بهَاءُ اللهِ، والسِّينُ سَناءُ اللهِ، والميمُ مُلكُ اللهِ).

ففي لفظِ (بِسْمِ) التصاقُ الباءِ لِضَرورةِ الاستعانةِ باسمِهِ تعالى، واسمُ الشَّيءِ ما دَلَّ عليهِ، ففي اللُّغةِ: الكلامُ ثلاثة أنواعٍ: الأسماءُ والكلماتُ والحروفُ، وقد جاءَ في تعريفِ الأسماءِ أنَّها سِمَاتٌ دالَّةٌ على الأعيانِ، فالسِّمَةُ هي العلامَةُ لأنَّ الدَّلالةَ المُطلَقَةَ المُجرَّدَةَ مأخُوذةٌ من الاسميَّةِ الذِّهنيَّةِ، أمَّا الدَّلالةُ الكماليَّةُ فمأخوذةٌ من الصِّفاتيَّةِ العينيَّة.

وهناكَ تحقيقٌ تامٌّ لكلمةِ (اسم) في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)، فالآيةُ لم تأتِ: (وَعَلَّمَ آدَمَ الصِّفاتِ كُلَّهَا)، لأنَّ الفرقَ بين الاسمِ والصِّفَةِ كالفرقِ بين الْمُشتَقِّ ومبدأ الاشتقاقِ، وبمعنى آخر: الاسمُ مأخوذٌ بشرطٍ والصِّفَةُ مأخوذةٌ بلا شرطٍ.

وقد جاءَ لفظُ (اسم) بين حرفِ الباءِ ولفظِ الجلالةِ (اللهِ)، فلماذا لم يقل: (باللهِ اسم)؟

هذا السُؤالُ واردٌ، بل يَفرضُ نفسَهُ بإلحاحٍ كبيرٍ، لا سيَّما في هذهِ المرحلةِ التي تُهَيِّئُ نفسَها إلى رَفعِ تحيَّةِ الوداعِ للتَّشبيهِ، ولهذا قيلَ: بالباءِ كانَ الوجودُ، وبالنُّقطةِ تحتَ الباءِ- وهي مِثَالُ القانونِ- تَمَّ فصلُ العابدِ عن الـمَعبودِ.

فلفظُ الجلالةِ (اللهُ) هو عالَمُ الجَمعِ، وهو الدَّليلُ الأسمى، فجَوهَرُهُ لا يَنصَرِفُ بقرينةٍ، وَمَن تَوهَّمَ أنَّه اسمٌ لَهُ كونٌ فقد أخطأَ، لأنَّ الذَّاهبَ إلى أنَّ لهُ كونًا يكونُ قد فسَّرَهُ بالمعنى الاشتقاقيِّ فقط، لذلكَ كانت كلمةُ التَّوحيدِ: (لا إلهَ إلاَّ الله).

و(الرَّحمَنُ) مشـتقٌّ من الرَّحمانيَّةِ التي تَعُمُّ جميعَ الموجوداتِ وتشملُ كلَّ النِّعَمِ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)، ومن الرَّحمةِ التي هي ضِدُّ الشِّدَّةِ والقسوةِ، حتَّى أنَّه تعالى جعلَ حقيقةَ نبيِّهِ الرَّحمةَ في قوله تَعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، وهي مِن الصِّفاتِ الفعليَّةِ كالخَلقِ والرِّزقِ، فاسمُ (الرَّحمنِ) اسمٌ خاصٌّ لصفةٍ عامَّةٍ، وهو ما يُسمَّى بعالَمِ الحقيقةِ.

أمَّا (الرَّحيم) فهو اسمٌ عامٌّ لصفةٍ خاصَّةٍ، وهو ما يُسمَّى بعالَمِ الأمرِ، وهو مُشتَقٌ من الرَّحيميَّةِ التي تعني التَّوفيقَ الخاصَّ للمؤمنين، لذلك يُقال: (اللهُ بالمؤمنينَ رَحيمٌ)، ولا يُقال: (اللهُ بالمؤمنينَ رَحمَانٌ).

 

أخيرًا: لماذا تقدَّمَ لفظُ (اسم) في البَسملةِ على (اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ)؟ ولماذا عادَتْ صفةُ (الرَّحمن الرَّحيم) لكلمة (اسمِ) ولم تَعُد لكلمةِ (الله)؟ ولماذا كانَ حرفُ الباءِ هو أوَّلُ حرفٍ في البَسمَلَةِ!!؟

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> فلسفة البسملة

4 تعليقات
  1. Cialis يقول

    Excellent pieces. Keep writing such kind of information on your blog.
    Im really impressed by your site.
    Hello there, You have performed a fantastic job. I will definitely
    digg it and for my part suggest to my friends.
    I’m sure they’ll be benefited from this site.

    1. admin يقول

      Thank you

  2. Firas kafa يقول

    سيدنا نرجو شرح المقال وتوضيحه

    1. admin يقول

      أكتفي بهذا القدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger