الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين

2 1٬860

الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين

حوار عبر موقع مصر تايمز

يوم الأربعاء 9 تشرين الثاني ٢٠١٦

تَسْتَوقِفُنا في كثيرٍ من الأحيانِ بعضُ المفاهيمِ الخاطئةِ، بل والمُجحِفَةِ، بحقِّ الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ (ع)، وهناكَ أسئلةٌ تتبادرُ للذِّهنِ: هل الأئمَّةُ والأنبياءُ والرُّسلُ بَشَرٌ كسائرِ البَشَرِ فيما يَرجِعُ إلى شُؤونِهم الطَّبيعيَّةِ البشريَّةِ، يأكلونَ ويشربونَ، ويتزوَّجونَ ويتناسلونَ ككلِّ البشرِ!؟ وهل يُعَدُّ هذا من كمالِ بشريَّتِهم؟ وهل اختصاصُ اللهِ لهم بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ والولايةِ والعصمةِ والإمامةِ لا يُخرِجُهم عن حَدِّ بشريَّتِهم!؟

من جهةٍ ثانيةٍ: هل العلويُّونَ هم غلاةٌ لأنَّهم يُنَزِّهونَ الأنبياءَ والرُّسلَ والأئمَّةَ عن الحالاتِ البشريَّةِ!؟ وهل تَنزيهُهُم لهم عن البشريَّةِ يعني تأليهَهُم!؟

 

للإجابةِ عن هذهِ التَّساؤلاتِ كانَ لموقعِ مصر تايمز هذا الحوارُ الصَّريحُ مع الباحثِ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد الذي قالَ: أستغربُ كلَّ الغرابةِ ممَّن يعتقدُ أنَّ الأئمَّةَ والأنبياءَ والرُّسلَ المعصومين بشرٌ مثلُنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأنَّهم فقط عبادٌ مكرَّمُونَ كالأولياءِ الصَّالحينَ من نخبةِ البشرِ اختَّصُهم اللهُ تعالى بلطفِهِ وكرامتِهِ وَحَبَاهُم بالولايةِ…!!

وتابعَ الباحثُ الدِّينيُّ العلويُّ قائلاً: لقد سقطَ الحشويَّونَ والمقصِّرونَ في هذا الاعتقادِ، خاصَّةً أنَّهم احتجُّوا بأحاديثَ مزوَّرةٍ ملفَّقةٍ لإثباتِ شُبهَتِهم بحقِّ الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ المعصومين الذين أظهرُوا الحالاتِ البشـريَّةَ تعليمًا ولطفًا وتأنيسًا وتفهيمًا، لأنَّ الإنسانَ لن يفهمَ عن النُّورِ إذا كلَّمَهُ، ولا يفهمُ إلا عن جنسِهِ، فَوَجَبَ أن يكلِّمَ الأئمَّةُ والأنبياءُ والرُّسلُ المعصومون البشرَ من صورةٍ تشـاكلُهم وَتُماثِلُهم، لكنَّ العاقلَ يفهم أنَّ ما أظهروهُ من مشاكلةٍ ومماثلةٍ لنا لا يَنفي الـمَقامَ المحمودَ التكوينيَّ لهم، والذي يَخضعُ لولايَتِه كلُّ ما في هذا الكونِ، وهذا المقامُ لا يبلغُهُ حتى الملائكةُ المقرَّبون بدليلِ قول سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص): (لي مع اللهِ وقتٌ لا يَسَعني فيه مَلَكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَلٌ)، وقول الأئمَّةِ علينا سلامُهُم: (إنَّ لنا مع اللهِ حالاتٍ لا يبلغُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ). فلا شُبهَةَ في ولايَة الأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ المعصومينَ على المخلوقينَ لِكَونِهِم السَّببُ في الخلقِ، ولم يدَّعِ أحدٌ أنَّ هناكَ خالقًا من دونِ اللهِ لقوله تعالى: (ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).

 

ولدى استفسارِنا عن وصفِ القرآنِ الكريمِ للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ بأنَّهم بشرٌ أجاب الدكتور أحمد: إنَّ إطلاقَ لفظِ (البشر) عليهم مَجَازٌ لا حقيقةٌ، إذ لَمَّا كانَ الموجودُ على الأرضِ بشرًا، أرسلَ اللهُ سبحانه وتعالى الأئمةَ والأنبياءَ والرُّسلَ المعصومين مبشِّرينَ ومنذِرينَ يَراهم البشرُ بشرًا مثلَهم على هيئتِهم وَصِفَتِهم البشريَّةِ وهم يَجِلُّون عن ذلكَ، بدليلِ قوله تعالى: (إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم يُوحَى إليَّ)، فقد قال: (إنما أنا بشرٌ مثلكم) ولم يقل: (منكم) والفرقُ كبيرٌ بين الكلمتين (مثلكم- منكم)، ثم أتبَعَها تنزيهًا لهم عن البشريَّةِ بقوله: (يوحى إليَّ) فما تفسيرُ ذلك؟

لقد قال الإمام الصَّـادقُ علينا سلامُهُ: (إنَّا معاشِــرَ الأنبياءِ والأوصــياءِ لا نُحمَلُ في البطونِ ولا نخرجُ من الأرحامِ لأنَّنا نورُ اللهِ الذي لا تنالُهُ الأدناسُ)، فأنوارُ اللهِ في الأرضِ لا يَليقُ بهم فعلُ البشرِ من التَّزاوجِ والولادةِ والمخاضِ والعِصيانِ والغوايةِ والغضبِ والخوفِ والسَّهوِ والنَّقصِ والقتلِ والصَّلبِ، والقولُ والخطابُ بالنَّهي والزَّجرِ والتَّأنيبِ والتَّوبيخِ لا يَليقُ بهم، إنَّما يقعُ هذا القولُ بِمَن هو مركَّبٌ من الطَّبائِعِ الأربعةِ من البشرِ، لذلك لا يجوزُ إثباتُ العصيانِ والغوايةِ على الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ المعصومينَ، لأنَّ الغوايةَ هي التَّوقُّفُ عن إجابةِ الدَّعوةِ، وهذا لا يقعُ على الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ المعصومين لأنَّ عصمَتُهم ذاتيَّةٌ وشموليَّةٌ، ولا تقعُ عليهم أيَّةٌ من الحالاتِ البشريَّةِ التي ذكرنا، فمثلُ هذهِ الحالاتِ المذكورةِ في المُتَشَابِهِ من الآياتِ لا تليقُ بهم، بل بعَالَمِ البشرِ، كقوله تعالى: (وعصى آدمُ ربَّهُ فَغَوَى)، وقوله جلَّ جلاله: (لِيَغفرَ لك اللهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تأخَّر)، وقوله سبحانه: (لَئن أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكونَنَّ من الخاسرين).

 

وحول مَن يقول أنَّ الأئمَّةَ والأنبياءَ والرُّسلَ كانوا مجتهدينَ كبقيَّةِ البشرِ المجتهدينَ الذينَ قد يخطِئونَ ويصيبونَ، قال الباحثُ العلويُّ السُّوريُّ: مَن زعمَ ذلك فقد غَالَى بهم، وهنا جاءَ تحذيرِ مولانا الصَّادق علينا سلامُهُ من أهل الغلوِّ حين قال: (إن الغلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، فَمَن أثبتَ على اللهِ ما لا يليقُ بهِ فقد غالى به، فالغلوُّ خطأٌ في الاعتقادِ، وهو إثباتُ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، وهو إفراطٌ وتفريط؛ ولا يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، لذلك فإنَّ عقيدَتنا العلوية الإسلاميَّة ليست غلوًّا ولا تسفيهًا، بل هي وسطيَّةٌ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا). ولَطالما اتَّهمَ المسلمون النَّصارى بأنَّهم أهلُ غلوٍّ وتسفيهٍ، لأنَّهم أنكروا وصايةَ مولانا الوصيِّ شمعون الصَّفا (م) عليهم بعدَ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع)، وَرَفعوا سيِّدَنا النَّبيَّ المسيحَ (ع) إلى درجةِ الألوهيَّةِ، كما فعلَ المقصِّرةُ والحشويَّةُ والمنخنقةُ عندما رفعوا الأئمَّةَ والأنبياءَ والرُّسلَ المعصومينَ إلى درجة الألوهيَّةِ.

إنَّ مَن اعتبروا أنَّ النَّبيَّ المسيحَ هو اللهُ، ما قَدَروا اللهَ حقَّ قَدْرِهِ، ولكنَّهم كَفَرُوا لأنَّهم عَبَدُوا النَّبيَّ المسيحَ من دونِ اللهِ، وجعلوا المُرسِلَ من جنسِ الرَّسولِ، ولم يفهموا قول سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ). وأمَّا مَن اعتَبَروا أنَّ النَّبيَّ المسيحَ ابنُ اللهِ، فقد أشركوا لأنَّهم اعتبروا بأنَّهُ قديمٌ من قديمٍ، وأنَّ ذاتَ الأبِ والابنِ مشتركةٌ، وتناسَوا قولَ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (أنا والأبُ واحدٌ… وهو أعظمُ من الكلِّ)، وتعامَوا عن تنزيهِهِ لباريهِ في قوله: (المجدُ للهِ في العُلا)، ومَن كان المجدُ له لا يشبهُ شيئًا ولا يشبهُهُ شيءٌ لقولِ الإمامِ الصَّادق علينا سلامُهُ: (إن اللهَ لا يُشبِهُ شيئًا ولا يشبهُهُ شيءٌ). وجميعُهم أفرَطُوا بتسليمِهم لسيِّدنا النَّبيِّ المسيحِ (ع) ورفعوهُ إلى درجةِ الألوهيَّةِ، وما كانَ ذلكَ طاعةً للمسيحِ، بل لإفسادِ دعوَتِهِ للولايةِ، وأثبتوا ذلكَ من خلالِ التَّناقضِ والتَّفريطِ بالنَّبيِّ المسيحِ (ع)، فأثبَتوا عليه الصَّلبَ، ولكنَّ اللهَ تعالى يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ).

ولأنَّ القرآنَ الكريمَ يتحدَّثُ عن كلِّ الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ المعصومين، ولا يختصُّ واحدًا دون الآخرِ، ففيهِ من الرَّمزِ ما يجعلهُ دائمًا أبدًا، فهل تساءلَ أحدٌ لماذا قال تعالى: (وما قتلوه)، مع أنَّ فِعلَ الصَّلبِ هو الواقعُ بسيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع)، فَبِمَن وقعَ فعِلُ القتلِ!؟

وزنًا بوزنٍ وقسطًا بقسطٍ: إنَّ الغلاةَ هم مَن أفرَطُوا وَرَفعوا الأئمَّةَ والأنبياءَ والرُّسلَ المعصومين إلى مقامِ ربِّ العالمين، ثمَّ ظلموهُم وفرَّطوا بهم عندما زَعَمُوا أنَّهم قُتِلوا على يدِ الأمويِّين والعبَّاسيِّين. فالأئمَّةُ والأنبياءُ والرُّسلُ المعصومون لم يُقتَلوا، بل شُبِّهَ لهم، فإذا كانَ المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، لقولِ سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص): (يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا ولَيْسَ بِمَيِّتٍ ويَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا ولَيْسَ بِبَالٍ)، فكيفَ يموتُ الأئمَّةُ والأنبياءُ والرُّسلُ المعصومون؟

وَنَفَى الباحثُ العلويُّ السُّوريُّ أن يكونَ هذا التَّنزيهُ تأليهًا لهم حيثُ قال: إنَّ تَعظيمَنا وَتَوقيرَنا وإجلالَنا للأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ المعصومين عن القتلِ والصَّلبِ والحالاتِ البشريَّةِ ليسَ تأليهًا لهم كما زَعَمَتِ المقصِّرةُ والمنخنقةُ والحشويَّةُ، أو أرادَتْ التَّرويجَ لهذا الاتِّهامِ لنا نحنُ العلويِّين، بل هم استحقُّوا تعظيمَنا لهم لأنَّهم نورُ اللهِ، والنورُ ليسَ مركَّبًا من الطَّبائعِ الأربعةِ، وذلك بدليلِ قولِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيحِ (ع): (مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ)، وقد سُئلَ الإمامُ الباقرُ علينا سلامُهُ عن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) فقال: (النُّورُ؛ واللهِ نورُ الأئمَّةِ من آلِ محمَّد إلى يومِ القيامةِ، وهم واللهِ نورُ اللهِ الذي أُنْزِلَ، وهم واللهِ نورُ اللهِ في السَّماواتِ وفي الأرضِ).

 

أجرى الحوار: وليد عرفات

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الغلو هو أن تجعل الأنبياء والرسل والأئمة بشرًا خطائين

2 تعليقات
  1. تمام توفيق يقول

    حياك الله كل عام وأنت بألف خير

    1. admin يقول

      وانت بالف خير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger