الماهية في المنطق العلوي

0 920

الماهية في المنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

يقول سيِّدنا المسيح (ع): (أنتَ الإلهُ الحقيقيُّ وحدَكَ، أمَّا يسوعُ فهو الْمَسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فمَن زعم أنَّ الْمُرسَلِ مِن ماهيَّةِ الْمُرسِلِ يكون قد جَعَلَ لجوهرِ الْمُرسِلِ ماهيَّةً، ونحنُ نَعلَمْ يَقينًا بِأَنَّ جوهرَ الْمُرسِلِ لا يَدخُلُ في الأَجْنَاسِ والأينيَّاتِ والْمَاهيَّاتِ، حتى أنَّ الْمَاهيَّةَ لا تُطلَقُ أبدًا على جوهرِ الْمُرسِلِ، وإنَّما تُطلَقُ على الفعلِ الْمُتمَثـِّلِ بالْمَشيئةِ عندَ الدَّلالةِ بهِ لقوله (ع): (قد نَزَلْتُ من السَّماءِ ليسَ لأعمَلَ مَشيئتي بل مَشيئَةَ الذي أرسَلَني).

وادِّعاءُ أنَّ الْمُرسَلَ من ماهيَّةِ الْمُرسِلِ يَحكمُ إلزامًا بأنَّ لجوهرِ الْمُرسِلِ ماهيَّةً، ولو كانَ لجوهرِ الْمُرسِلِ ماهيَّاتٌ لكانَت متنوعةً وهذا غيرُ جائزٍ، فالادِّعاءُ بأنَّ لجوهرِ الْمُرسِلِ ماهيَّتينِ: الأولى ماهيَّةٌ مَحسوسَةٌ عبارةٌ عن جوهرٍ فانٍ مَحدودٍ مُدرَكٍ معروفٍ، والثانيةُ ماهيَّةٌ مُجرَّدةٌ عبارةٌ عن جوهرٍ باقٍ غيرُ مُدرَكٍ ولا معروفٍ، هو ادِّعاءٌ باطلٌ، لأنَّه يجعلُ جوهرَ الْمُرسِلِ قابلاً للتَّجزئةِ، وهذا لا يجوزُ في منطقِنا العلويِّ لقول الإمام علي (م): (لا تقعُ الأوهامُ لَهُ على صفةٍ، ولا تُعقَدُ القلوبُ منهُ على كيفيَّةٍ، ولا تَنَالُهُ التَّجزئَةُ والتَّبعيضُ).

فجوهرُ الْمُرسِلِ إذن مُنفردٌ عن الْمَاهيَّةِ، لأنَّه أسمى من الْمَاهيَّةِ، التي هي مصدرٌ مأخوذٌ من (ما هو؟)، بدليل قول الفيلسوف العظيم أفلاطون: (الباري ليس بماهيَّةٍ، بل هو أسمَى من الْمَاهيَّةِ)، فهي من جهةِ التَّجلِّي والوجودِ لقولِ الْمُعلِّم الأوَّل أرسطو: (الحقُّ ليسَ لَهُ ماهيَّةٌ إلاَّ مِن جهةِ الإثباتِ)، فما يتحقَّقُ في العِيَانِ مَشهودٌ، وما يُتصوَّرُ في الأذهانِ مَقصودٌ، أمَّا جوهرُ الْمُرسِلِ فلا ماهيَّةَ له لأنَّ كلَّ ذي ماهيَّةٍ معلولٌ.

فالْمَاهيَّةُ تُوصَفُ بالهَيئاتِ والأشكالِ والكيفيَّاتِ، لكنَّ جوهرَ الْمُرسِلِ لا هو من قِبَلِ الهيئاتِ والأشكالِ، ولا هو بكيفيَّةٍ إذ ليسَ له جنسٌ ولا فصلٌ ولا حَدٌّ لأنَّهُ خارجٌ عن الحدودِ، فَمَن زَعَمَ أنَّهُ وَصَلَ إلى إدراكِ جوهرِ الْمُرسِلِ فقد انحرفَ وهَوَى وَكَذَّبَ وافترَى، لأنَّ الْمَاهيَّةَ عَرَضٌ في الوجودِ كما عبَّرَ سادةُ الْمَنطقِ العلويِّ، ولذلك عندما سئلَ الإمام علي (م): أينَ الْمَعبودُ؟ أجابَ: (لا يُقالُ له أينَ لأنَّهُ أيَّنَ الأينيَّةَ، ولا يقالُ له كيفَ لأنَّه كَيَّفَ الكيفيَّةَ، ولا يقالُ له ما هو لأنَّهُ خلقَ الْمَاهيَّةَ).

فالأينيَّةُ من لوازمِ الْمَكانِ وإثباتُها على جوهرِ الْمُرسِلِ يُوقِعُهُ تحتَ الحدودِ، والكيفيَّةُ من لوازمِ التَّركيبِ وإثباتُها على جوهرِ الْمُرسِلِ يجعلُهُ مُركَّبًا، وهذا غير صحيحٍ فأيَّةُ فائدةٍ من إفرادِ جوهرِ الْمُرسِلِ عن مُستلزَمَاتِ التَّركيبِ وإقامَتِهِ مُركَّبًا محدودًا بنفسِ الوقتِ.

والْمَاهيَّةُ بثبوتِها على جوهرِ الْمُرسِلِ توجـِبُ الشِّركَ والظُّلمَ، وهذا ينافي الْمَنطقَ العلويَّ، إذ لو كانت لَهُ ماهيَّةٌ بجوهرِهِ تحوَّلَ معنى التَّجلِّي إلى اتِّحادٍ وحلولٍ بالْماهيَّةِ؛ بمعنى أنَّ جوهرَ الْمُرسِلِ صارَ مشابهًا ومساويًا لجوهرِ الْمُرسَلِ وهذا سيؤدي إلى تعدُّدِ الأربابِ وهو غيرُ جائزٍ في منطقِنا العلويِّ.

لذلكَ لا يمكنُ أن يكون لجوهرِ الْمُرسِلِ ماهيَّةٌ ثم نقول: إنَّها محسوسةٌ أو مجرَّدةٌ!! لأنَّ الْمَاهيَّةَ الْمُحسوسَةَ والْمُجرَّدةَ عائدةٌ لجوهرِ الْمُرسَلِ، وهي من ضمنِ الأعراضِ، والرَّبُّ جَلَّ عن الأعراضِ، لقول الإمام علي (م): (كيفَ يُدركُ مَن لا نهايةَ له، وليسَ له كيفيَّةٌ ولا ماهيَّةٌ ولا كينونيَّةٌ ولا كميَّة).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الماهية في المنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger