نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم

0 1٬021

نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم

حوار عبر وكالة مهر للأنباء- إيران

يوم السبت ١٠ أيلول ٢٠١٦

شاعَ في الفترةِ الأخيرةِ ظهورُ بعضِ الذين يقولونَ بأنَّ العلويِّينَ لا يؤمنونَ بمحمَّد نبيًّا، ويعتبرونَ أنَّه كان رجلاً ذكيًّا استطاعَ أن (يخدعَ النَّاسَ في زمانِهِ ويوهِمُهم بأنَّه نبيٌّ مُرسَلٌ)!، ومنذ فترةٍ ظهرَتْ مجموعةٌ من المثقَّفينَ والكتَّابِ ليَنشروا أفكارًا تعارضُ الأفكارَ الإسلاميَّة وَتَدعو إلى الخروجِ عن العاداتِ الإسلاميَّةِ الباليةِ حسبَ ادِّعاءِ أصحابِها. للحديثِ حولَ هذا الموضوعِ أجرَتْ وكالة مهر للأنباء حوارًا خاصًا مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد، وهذا هو:

وكالة مهر للأنباء: ما هو تعليقكَ على مَن يقدِّمُ نفسَهُ مفكِّرًا دينيًّا أو كاتبًا فيَطعنُ بالإسلامِ ورسولِ الإسلامِ؟

د. أحمد: إنَّ الأفكارَ الإلحاديَّةَ انتشرَتْ عبرَ كافَّةِ العصورِ، لكنَّها كانت تأخذُ أشكالاً متعدِّدةً حسبَ طبيعةِ المجتمعِ والعلومِ التي توصَّلوا إليها في تلك العصورِ، فالوثنيَّةُ وعبادةُ الأصنامِ في عهدِ سيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (صلواتُ اللهِ عليهِ وعلى آلِه) إلحادٌ، وعبادةُ الكواكبِ والنُّجومِ وكذلكَ عبادةُ النَّمرودِ في زمنِ سيِّدنا رسولِ الولايةِ إبراهيم (ع) إلحادٌ، وعبادةُ فرعونَ والعجلِ في زمن سيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع) إلحادٌ، وهذا يعني أنَّ الملحدينَ المنكرينَ موجودونَ في كلِّ عصرٍ، فلا عجبَ أن يوجَدوا في هذا العصرِ الحديثِ ويتأثَّروا بالعلومِ الماديَّةِ التي وصَلْنا إليها، فتَصْعُبَ عليهم عمليَّةُ الرَّبطِ بين العلمِ والدِّينِ، ويربطونَ الدِّينَ بأحداثٍ تاريخيةٍ ورجالٍ متاجرينَ باسمِ الدِّينِ، فَيَطعنونَ بالدِّينِ والأنبياءِ والمرسلينَ، ومنهم سيِّدنا النَّبي محمَّد (ص). هذا يعني أنَّ أمثالَ هؤلاءِ الذين يقدِّمونَ أنفسَهم باحثينَ في الأديانِ ليَطعنوا في دينِ الإسلامِ والنَّبيِّ الكريمِ هم عبارةٌ عن ساذجين مادِّيِّين ألحَدوا في دينِ اللهِ وانتهجُوا طريقَ الإلحادِ وإنكارَ الوجودِ الإلهيِّ، وآمنوا بنظريَّةِ الصُّدفةِ، وهذا أمرٌ يخصُّهم بشرطِ ألاَّ يتطاولوا على الدِّينِ والمعتقداتِ السَّاميةِ إنْ لم يَفهموها.

وكالة مهر للأنباء: يقولُ بعضُ هؤلاءِ الكتَّـابِ أنَّ العلويِّـينَ لا يؤمنونَ بمحمَّد نبيـًّا ويطعنونَ بنبَّوتِهِ، والبعضُ يتَّهمُكم بأنَّكم تقولونَ أنَّ الوحيَ أخطأ فَنَزَلَ على محمَّد (ص) بدلاً عن الإمامِ علي… ما تعليقكَ؟

د. أحمد: مِن السُّخريةِ بمكانٍ رميُ الاتِّهاماتِ من دونِ أدلَّةٍ وبراهينَ، فالاتِّهامُ الزُّورُ لمجرَّدِ الاتِّهامِ هو نهجٌ انتهجَهُ الحاقدونَ عبرَ العصورِ، وطالَنا منه كعلويِّينَ ما طالَنا، وَتَحمَّلنا منهم ما تحمَّلناهُ من الكذبِ والتَّضليلِ، لكن لا يموتُ حقٌّ وراءَهُ مدافعٌ، ونحنُ دومًا ندافعُ عن كلمةِ الحقِّ وننتصرُ بها. أمَّا بالنِّسبةِ لِمَن يزعمُ أنَّنا لا نؤمنُ بمحمَّد نبيًّا فهو كمَن يُخرجُنا من دينِ الإسلامِ لأنَّ شهادةَ الإسلامِ: (أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ)، فهل تكونُ الشَّهادةُ ناقصةً؟ بالطَّبعِ لا. ولكنْ من الغرابةِ أنْ يَقلبُوا الحقائقَ فيُحوِّلوا تنزيهَنا للأنبياءِ والأئمَّةِ إلى إنكارٍ لهم، ويحوِّلوا إيمانَنا بعصمَتِهم إلى طعنٍ بنبوَّتِهم وإمامَتِهم!! عدا عن أنَّ الوحيَ المرسلَ الذي هو سيِّدنا جبرائيلُ (ع) لا يمكنُ أن ينطقَ عن الهوى فكيفَ له أن يُخطئَ؟

إنَّ مَن يَزعمُ أنَّ الوحيَ أخطأ فنزلَ على سيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (ص) بدلاً من مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) هو مفترٍ وجاهلٌ، لأنَّه يطعنُ في نزاهةِ الوحي ونورانيَّتِهِ، ويطعنُ بسيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (ص) ويجعلُهُ غيرَ لائقٍ بالرِّسالةِ، ويطعنُ بمولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) لأنَّه يجعلُهُ مهمَّشًا وضعيفًا، ويطعنُ باللَّهِ عزَّ وجلَّ لأنَّه يجرِّدُهُ من العدلِ الإلهيِّ، فهل من عاقلٍ يقبلُ بهذا الكلامِ واللهُ هو الذي اصطفاهُم بقوله: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)؟

وكالة مهر للأنباء: تحدَّثتَ عن تنزيهكُم للأنبياءِ وإيمانِكُم بعصمَتِهم، فما هو مفهومُ عصمةِ الأنبياءِ لديكم؟ وهل العصمةُ بعدَ البعثةِ أم قبلَها أيضًا؟

د. أحمد: إنَّ نهجَنا العلويَّ النُّصيريَّ الخصيبيَّ يقولُ بعدمِ جوازِ صدورِ الذُّنوبِ والمعاصي من الأوصياءِ والأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ (ع) مطلقًا لا قبلَ إظهارِهم النُّبوَّةَ والرِّسالةَ ولا في حالِها ولا بعدَها، فإنكارُ العصمةِ التَّكوينيَّةِ المطلقةِ للأنبياءِ هي من مقولاتِ ابنِ تيميَّةَ وأتباعِهِ، وقد أثبتَ الحشويَّةُ والمنخنقةُ والمقصِّرةُ كونَ الحالاتِ البشريةِ عليهم كي لا يعصمُوهم عن الخطأ والسَّهو والمعصيةِ، ليبرِّروا تصحيحَ الخلافةِ التي أشرَعها اللهُ بلسانِ نبيِّهِ لمولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) والأئمَّةِ علينا سلامُهُم من بعدِهِ، فاغتصبَها البعضُ بالحيلةِ والقهرِ والقوَّةِ، وعلى رأسِهم الطُّلَقَاءُ وأبناءُ الطُّلقاءِ من بني أميَّةَ وبني العبَّاسِ، وَجَوَّزوا خلافةَ مَن عبدَ الأصنامَ في سالفِ عمرِهِ وَفَعَلَ أفعالَ الجاهليَّةِ.

أما نحن كعلويِّين فنقرُّ إقرارًا تامًّا بعصمةِ الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسلِ قبلَ البعثةِ وبعدَها امتثالاً لقولِ الإمامِ الرِّضا علينا سلامُهُ لسائلٍ سألَ عن الآياتِ المتشابهةِ: (ويحَكَ، اتَّقِ اللهَ ولا تنسبْ إلى أنبياءِ اللهِ الفواحشَ، ولا تتأوَّلْ كتابَ اللهِ برأيكَ). وللأئمَّةِ مقامٌ محمودٌ ودرجةٌ ساميةٌ تكوينيَّةٌ يخضعُ لولايَتِها الكونُ، وإنَّ لهم مقامًا لا يبلغُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ حيث قال سيِّدنا جبرائيل (ع) كما وردَ في رواياتِ المعراجِ: (لو دَنَوتُ أُنمُلَةً لاحتَرَقْتُ)، وقد ورد عن الأئمَّةِ علينا سلامُهُم: (إنَّ لنا مع اللهِ حالاتٍ لا يبلغُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ).

فهؤلاء لابدَّ أن يكونوا معصومينَ مُطَهَّرينَ تطهيرًا تكوينيًّا لقولهِ تَعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وهذه الآية تُعتبرُ من دلائلِ العصمةِ الذَّاتيَّةِ عند الأئمةِ، إذ تُبَيِّنُ أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ طَهَّرَ الرَّسولَ من كلِّ رِجسٍ، وَمَنْ طَهَّرَهُم اللهُ تعالى فهم مُطَهَّرون مَعصومون، وهم السَّفينةُ ذات المدلولِ العظيمِ، التي قال فيها سيِّدنا رسول الله (ص): (مَثَلُ أهلِ بيتي فيكم كَمَثَلِ سفينةِ نوح، من رَكِبَها نَجَا، ومَن تَخَلَّفَ عنها هَلَكَ).

وكالة مهر للأنباء: هل تصبُّ هذه العصمةُ في معنى تأليهِهم خاصَّةً أنَّ النُّصيريَّةَ متَّهمةٌ بتأليهِ الأنبياءِ والأئمَّةِ؟

د. أحمد: لماذا الإصرارُ دومًا على اتِّهامنا بتأليهِ الأنبياءِ والأئمَّةِ واعتبارِهم في مقامِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ؟ يبدو أنَّه من الصَّــعبِ أن يفهمَ الضُّــعـفاءُ معنى قولِ ســيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (ص): (لي مع اللهِ وقتٌ لا يَسَعني فيه ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسَلٌ)، وقول الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (إنَّ لنا مع اللهِ حالات هو فيها نحنُ ونحنُ هو، وهو مع ذلكَ هو هو ونحن نحن)، فالُمدقِّقُ المُنصفُ يَفهم أنَّ النَّبيَّ يفرِّقُ بين نفسِهِ وبين ربِّهِ، وهو القائلُ (ص): (أوَّلُ ما خلقَ اللهُ نوري)، وكذلكَ يَعِي هذا المدقِّقُ أنَّ الإمامَ الصَّادقَ علينا سلامُهُ لا يساوي نفسَهُ بربِّهِ، بل يؤكِّدُ على إفرادِ الانفصالِ بعدَ إثباتِ الاتِّصالِ، لأنَّ الأنبياءَ والأئمَّةَ هم الواسطةُ التَّكوينيَّةُ بين الرَّبِّ والخلقِ، بدليلِ قولِ سيِّدنا الرَّسولِ (ص): (مَن رآني فقد رأى الحقَّ)، وقول سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي، لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا).

ما ذكرتُهُ يؤكِّدُ أنَّ كلَّ ما أظهروهُ تعليمٌ لنا للالتزامِ والارتقاءِ بأنفسِنا إلى صفائِها، فلا المعصيةُ لَحِقَتْ بِهم، ولا الخسارةُ ولا المخالَفَةُ ولا التَّحذيرُ وقَعَ عليهم، إنَّما كلُّ ذلكَ راجعٌ وواقعٌ بالبشرِ، فالأئمَّةُ والأنبياءُ والرُّسلُ (ع) أسمَى وأرقى من ذلكَ لأنَّهم أنوارُ اللهِ لقولِ الإمامِ الصَّادق علينا سلامُهُ: (إنَّنا معاشرَ الأنبياءِ والأوصياءِ لا نُحمَلُ في البطونِ ولا نخرجُ من الأرحامِ لأنَّنا نورُ اللهِ الذي لا تَنَالُهُ الأدناسُ)، وقد سُئِلَ الإمامُ الباقرُ علينا سلامُهُ عن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) فقال: (النُّورُ؛ واللهِ نورُ الأئمَّةِ من آلِ محمَّدٍ إلى يومِ القيامةِ، وهم واللهِ نورُ اللهِ الذي أُنزِلَ، وهم واللهِ نورُ اللهِ في السَّماواتِ وفي الأرضِ).

وكالة مهر للأنباء: ماذا تقولُ في الختامِ لمَن ينشرونَ أفكارًا تعارضُ الأفكارَ الإسلاميَّةَ وتدعو إلى الخروجِ عن العاداتِ الإسلاميَّةِ الباليةِ حسبَ ادِّعاءِ أصحابِها؟

د. أحمد: أقول لهم: الحسُّ لا يَنالُ غيرَ الجزئيِّ، فلو اقتصَرْنا في الاعتمادِ على الحسِّيَّاتِ فحسبْ، من غيرِ ركونٍ إلى العقليَّاتِ، لن يتمَّ لنا إدراكٌ ولا فكرٌ لقوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، وقوله: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). فالحياةُ الإنسانيَّةُ قائمةٌ على أساسِ الإدراكِ والفكرِ، وكلَّما كان الفكرُ صحيحًا كانت الحياةُ قويمةً، ولهذا دَعَا القرآنُ إلى الفكرِ الصَّحيحِ وترويجِ طرقِ العلمِ في آياتٍ كثيرةٍ كقوله: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، فالنَّهجُ الاستدلاليُّ أو الاستقرائيُّ الذي تنتهجونَهُ صحيحٌ بشرطِ عدمِ القياسِ والاجتهادِ فيه، لذلك أنصحكُمْ بالتزامِ قول مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م): (لا يُعرَفُ الحقُّ بالرِّجالِ، اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَهُ).

أجرى الحوار: محمد مظهري

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> نؤمن بعصمة الأنبياء والأئمة لا بألوهيتهم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger