الخلافة بين الأمر الإلهي والشورى

0 1٬556

الخلافة بين الأمر الإلهي والشورى

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)، فالميزانُ هو الولايةُ وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؛ أي: فَمَنْ كَمُلَتْ مَوَازينُهُ بِحُبِّ الولايةِ أفلَحَ لقولِهِ تعالى: (فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، أمَّا الذين أنكرُوا ولايةَ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) فَهُمْ أهلُ الجحودِ لقولِ سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص): (جحودُ ولايةِ عليٍّ كُفرٌ)، لأنَّ التَّوحيدَ لا يُبنَى إلاَّ على الولايةِ، لذلكَ قالَ الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ عندما سُئِلَ عن القول: (حَيَّ على خَيرِ العملِ): (خيرُ العملِ الولايةُ)، كما قالَ سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص): (يا عليُّ، انتَ وليُّ النَّاسِ بَعدي، فَمَنْ أطاعَكَ فقد أطاعَني، وَمَن عَصَاكَ فقد عَصَانِي)، فالوليُّ لُغةً هو الـمُـتَولِّي لأمورِ العالَمِ والخلائقِ، القائمُ بها، والولايةُ تُشيرُ بالتَّدبيرِ والقدرةِ والفعلِ، ولذا جاءَ الأمرُ الإلهيُّ بإمامةِ الإمامِ علي أميرِ المؤمنين (م)، لأنه الإمامُ الذي إذا قالَ فَصَلَ، وإنْ حَكَمَ عَدَلَ، تَوَلَّى الخلافةَ فأعادَ الحقَّ إلى نِصَابِهِ، فهو المُلتَقَى لجميعِ الصِّفاتِ والمُجَمِّعُ لكلِّ الكَمَالاتِ، وهذا ما يُوضِّحُه قولُ الرَّسولِ الأكرمِ (ص): (الإمامُ أمينُ اللهِ في أرضِهِ وخَلْقِهِ، فالإمامةُ منزلةُ الأنبياءِ وإرْثُ الأوصياءِ، إنَّ الإمامةَ خلافَةُ اللهِ)، فالخلافَةُ أمرٌ إلهيٌّ، وليس كما زَعَمَ السُّنَّةُ بقولهم: إنَّ أبا بكر عمل بمبدأ الشُّورى في تولِّيهِ الخلافة، وهو ركنٌ موجودٌ في الإسلامِ والقرآنِ!!

لقد اعتمدَ السُّنَّةُ حسبَ زَعمِهِم على قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لتبريرِ ما حدثَ في يومِ السَّقيفةِ من أنَّ البعضَ تشاوروا في أمرِ الخلافةِ وعيَّنوا أبا بكرٍ خليفةً لرسولِ اللهِ (ص)، متجاوزينَ وصيَّتَهُ لمولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م)، وهنا لابدَّ لنا كعلويِّينِ من تفسيرِ ما اشتكلَ عليهم وعلى بقيَّةِ النَّاس في معنى الآية.

وردَ في مجملِ التَّفاسيرِ أنَّ هذهِ الآية وردَتْ في الأنصارِ لا في سيِّدنا الرَّسولِ (ص)، حيثُ كان- قبلَ الإسلامِ وقبلَ قدومِ النَّبيِّ (ص) المدينةَ- إذا كانَ بينهم أمرٌ أو أرادوا أمرًا اجتمعوا فَتَشاوَروا بينهم فأخذوا به، فأثنَى اللهُ عليهم خيرًا.

كما وردَ عن الإمامِ الباقر علينا سلامُهُ في تفسيرِ الآيةِ أنَّهُ قال: (“وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ” في إقامةِ الإمامِ، “وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ”؛ أي يُقبِلونَ ما أُمِرُوا به ويُشاورونَ الإمامَ فيما يحتاجونَ إليهِ من أمرِ دينِهم كما قالَ اللهُ: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ)؛ وهذا يعني أنَّ إقامةَ الإمامِ هي أمرٌ للرَّبِّ تعالى.

فكيفَ للسُّنَّةِ أن تنسبَ موضوعَ الشُّورى في الخلافةِ لسيِّدنا رسولِ اللهِ (ص) وتجعلَهُ مبرِّرًا لمخالفةِ الأمرِ الإلهيِّ في وصايةِ الإمامِ عليٍّ (م) وولايَتِهِ الواردةِ في حجَّةِ الوداعِ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)، وهذا هو الأمرُ الإلهيُّ في قوله تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، والأمرُ الإلهيُّ لا تشاورَ فيهِ لقولِهِ تعالى: (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، وقد قرَّرَ اللهُ الأمرَ وثَبَّتَهُ بخلافةِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م).

ولكنَّ المنافقينَ خلَطوا بينَ أمرِهم الدُّنيويِّ الذي قالَ فيهم: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، والأمرِ الإلهيِّ الذي لا تنازُعَ حولَهُ عندَ المؤمنينَ لقوله تعالى: (يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ)، فَهُمْ أظهَروا الولاءَ رياءً لمولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) في قولِ عمر: (هنيئًا لك يا ابنَ أبي طالب، أصبحتَ مولايَ وَمَولى كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ)، ولكنَّهم أخفَوا في أنفسِهم معارَضَتَهم التي ظهرَتْ في قولِ عمر: (إنَّ محمَّدًا لَيَهْجُرُ).

وفي الختامِ نؤكِّدُ أنَّ الأمرَ الإلهيَّ واجبَ الطَّاعةِ محصورٌ باللهِ والرَّسولِ والأئمَّةِ المعصومينَ لقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، وأولو الأمرِ هم الأئمَّةُ المعصومونَ حيثُ قالَ الإمامُ الباقرُ علينا سلامُهُ بعد قراءةِ الآيةِ: (إيَّانا عنى خاصَّةً).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الخلافة بين الأمر الإلهي والشورى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger