المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله

0 1٬175

المسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله

حوار عبر وكالة مهر للأنباء- إيران

يوم الخميس 4 آب ٢٠١٦

أشارَ الباحثُ الدِّينيُّ السُّوريُّ الدكتور أحمد أديب أحمد إلى أنَّ ملاحقاتِ العثمانيِّينَ للعلويِّينَ كان لها الدَّورُ الأكبرُ في ابتعادِهم عن المساجدِ والتزامِهِم البيوتَ، في الوقتِ الذي تَغُصُّ فيه مساجدُ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ بالمصلِّينَ، متسائلاً بالنَّظرِ إلى هذهِ الإجراءاتِ: هل يَنبغي أن نعتقدَ بأنَّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ لا يؤمنونَ بالمساجدِ ولذلكَ لا يَرتادونَها؟

وصَرَّحَ الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد لوكالةِ مهر للأنباء أنَّهُ مع الأيَّامِ اختلطَتِ الأمورُ ببعضِها وتحوَّلَتْ المساجدُ إلى مكانٍ للقتلِ والجريمةِ، فالعديدُ من مجازرِ الذَّبحِ والقتلِ والتَّمثيلِ ارتُكبَتْ بحقِّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ في المساجدِ نفسِها.

وأضافَ: وَيُسَجِّلُ التَّاريخُ أفظعَ المجازرِ التي ارتكبَها العثمانيُّون بحقِّنا في حلبَ بعدَ الحربِ التي شُنَّتْ على الدَّولةِ الحمدانيَّةِ في القرنِ السَّادسِ عشر الميلادي، أشهرُها مذبحةُ الجامعِ الكبيرِ في حلبَ على يَدِ الطَّاغيةِ سليم الأول بفتوى الفناءِ لابنِ تيميَّةَ لعنَهُ اللهُ، والتي أودَتْ بحياةِ أربعينَ ألفِ مُصَلٍّ وَرَاحَ ضحيَّتَها آلافُ أطفالٍ ونساءٍ وشيوخٍ في منطقةِ (التِّلَلِ) الواقعةِ غربَ القلعةِ، والتي سُمِّيَتْ كذلكَ بسببِ تِلَلِ الرُّؤوسِ التي حَزَّها أولئكَ الأصوليُّونَ التَّكفيريُّونَ.

وتابعَ: اليوم يتابعُ أعداءُ الدِّينِ الوهابيُّون والإخوانُ المسلمون استخدامَ المساجدِ كمستودعاتٍ للسِّـلاحِ ومنصَّـاتٍ لإطلاقِ الصَّـواريخِ والقنَّاصـاتِ وغيرِها، فهل يُعقَلُ أن تكونَ هذهِ الـمســاجدُ هي المساجدُ المقدَّسَةُ التي هي بيوتُ اللهِ حقًّا، والتي يُحاسبُنا البعضُ من عَدَمِ وُرُودِها وهو القائلُ: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ)؟.

وأردفَ: بالطَّبعِ لا، لأنَّ المسجدَ في مفهومِنا العلويِّ النُّصيريِّ حبلٌ متَّصِلٌ بين الأرضِ والسَّماءِ، ومكانٌ للطَّهارةِ، ومنطقةٌ حُرِّمَتْ على الشَّياطينِ وانقطَعَتْ عن الأهواءِ، فَصَارَتْ مَهْدَ الإيمانِ ومنهلَ الصَّفاءِ والإخلاصِ، وهو مدرسةٌ خَصَّهَا اللهُ تعالى باسمِهِ حتَّى صارَ بَيتَهُ، ونحنُ من طلابِ هذهِ المدرسةِ، وقد دَوَّننا اللهُ تعالى من زُمرةِ أبناءِ المسجدِ إذْ سَمَّى اللهُ تعالى الطَّرائقَ والحقائقَ باسمِ المسجدِ، لكنَّه نَهَى عن الإقامةِ بمسجدِ التَّشبيهِ في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وبيَّنَ لنا أنَّ الإقامةَ بالمسجدِ الحقيقيِّ الذي أُسِّسَ على تَقوى الإثباتِ والإفرادِ في قوله سبحانه: (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ).

وقالَ الدكتور أحمد: أشهرُ أئمَّةِ المساجدِ من سادَتِنا العظماءِ بعدَ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع) هو أكبرُ وأفقهُ تلامذتِهِ وهو سيِّدنا الشَّيخُ الثِّقةُ محمد بن عليٍّ الجِلِّيِّ (ق) الذي كان إمامًا لأكبرِ مساجدِ المسلمينَ في حلب، وهناك الكثيرُ من سادَتِنا عبرَ التَّاريخِ كانوا أئمَّةً للمسلمينَ في المساجدِ لا يَتَّسِعُ المجالُ لذكرِهِم هنا.

وأضافَ الباحثُ العلويُّ: كيف لا نكونُ من أبناءِ المساجدِ ونحنُ نَمْتَثِلُ كعلويِّينَ جعفريِّينَ نُصيريِّينَ لأمرِ مولانا جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ: (عَلَيكُمْ بإتيانِ المساجدِ فإنَّها بيوتُ اللهِ في الأرضِ، وَمَن أتَاها مُتَطَهِّرًا طَهَّرَهُ اللهُ من ذنوبِهِ وكَتَبَهُ من زُوَّارِهِ، فأكثِروا فيها من الصَّلاةِ والدُّعاءِ)، لكنَّنا نَحترمُ قدسيَّةَ المسجدِ لأنَّهُ مكانٌ للتَّوحيدِ والعبادةِ لا للمُجونِ والرِّياءِ، لقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا).

وتابعَ الدكتور أحمد أديب أحمد: إنَّ المسجدَ في المفهومِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ له مقامُ التَّجلِّي، وله عنوانُ عِيَانِ الحقِّ، لكنَّهُ لا يُشيرُ إلى مشهدٍ إلهيٍّ دونَ غيرِهِ من المَشَاهدِ، وإنَّما هو جامعٌ للمَشاهدِ كلِّها لقوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)، وهذا لا يتحقَّقُ بعبادةِ الهوى وطلبِ اللَّذَّاتِ بل بالاتِّصالِ الرُّوحيِّ مع اللهِ تعالى، فالمسجدُ ليسَ مجرَّدَ بناءٍ يتردَّدُ إليهِ النَّاسُ في أوقاتٍ من النَّهارِ، بل هو المقامُ الذي يُعبِّرُ عن الاتِّصالِ باللهِ سبحانَهُ وتعالى، والتَّوجُّهِ والانقيادِ إليهِ سبحانَهُ، وَمَن كانَ يريدُ أن يحقِّقَ هذا الاتِّصالَ الكاملَ فَعَليهِ أن يتخطَّى الشُّبهاتِ التي وقعَ بها الحائدونَ عن النَّهجِ الحقِّ: أوَّلُها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ هي الأحكامُ الحقيقيَّةُ المفروضةُ، فتَرَكوا وأنكروا العلومَ الحقيقيَّةَ عندَنا وهَجَروها، والتزَموا اعتقادًا حقيقيًّا أفكارَ وأقوالَ روَّادِ المنخنقةِ والمقصِّرةِ، ويكفي للرَّدِّ عليهم قولُ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (لا تَعْمَلْ بالشَّريعةِ دونَ أن تَعْلَمَ الحقيقةَ فَيَحبِطَ عَمَلُكَ)، وثانيها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّ علمَ القشورِ واجبٌ اعتقادًا كعلمِ الحقائقِ، فَهُم يساوونَ بينَ القشورِ واللُّبِّ، ويكفي للرَّدِّ عليهم قوله سبحانه: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)، والكلُّ يعلمُ الفرقَ الكبيرَ بين العذبِ الفراتِ عندنا، والملحِ الأجاجِ عندَ غيرِنا، وثالثُها تلكَ التي ظَنَّ أصحابُها أنَّه يجبُ العملُ بعلمِ القشورِ الذي بَلَّغَهُ الأنبياءُ والرُّسُلُ فقط، ويكفي للرَّدِّ عليهم ما قالَهُ الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (مَن تركَ الحقَّ مُحْكَمًا ابتُلِيَ بعبادةِ الباطلِ مُتشابهًا).

 

وحولَ سؤالٍ عمَّا إذا كانت هذه الرَّمزيَّةُ للمسجدِ تُبَرِّرُ عدمَ دخولِ المساجدِ المعمورةِ والتزامِها في كلِّ الأوقاتِ قال الباحثُ الدِّينيُّ أحمد لوكالة مهر للأنباء: يقولُ سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص): (جُعلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا)، فلنفرضْ أنَّنا في صحراءَ قَفرٍ، ولا يوجدُ أيُّ بناءٍ، أفلا نَقضي وقتًا؟ هذا يعني أنَّ الأمرَ لا يتعلَّقُ بالمباهاةِ بزيارةِ مبانٍ شُيِّدَتْ على أنَّها مساجدُ لأنَّ المؤمنَ بحالةِ اعتكافٍ مستمرٍّ، ولابدَّ أن يقومَ بآدابِهِ وَيَصومَ عن تذكُّرِ غيرِ الحقِّ، وإلاَّ يخرجَ من مسجدِ العبوديَّةِ إلاَّ بِقَدْرِ الحاجةِ، فإذا انقضَتْ حاجَتُهُ يعودُ ولا يستأنسُ بغيرِ الحقِّ ولا يتعلَّقُ قلبُهُ بغيرِهِ، حتَّى يصيرَ قلبُهُ مَنزلاً للحقِّ ومَسجدًا للرُّبوبيَّةِ، فَيُثني الحقُّ عليهِ في ذاكَ المسجدِ بالتَّجليَّاتِ، وهذا الثَّناءُ هو صلاةُ الرَّبِّ فيقولُ: (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكةِ والرُّوحِ).

 

وحولَ مفهومِ بناءِ المساجدِ عندَ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ خاصَّةً مع انتشارِ ظاهرةِ بنائِها بكثافةٍ أكَّدَ الدكتور أحمد في تصريح لوكالة مهر للأنباء أنَّ بناءَ المسجدِ فيه أجرٌ عظيمٌ وثوابٌ جسيمٌ لقولِ سيِّدنا رسولِ اللهِ (ص): (مَن بَنَى مَسجدًا في الدُّنيا أعطاهُ اللهُ)، فَيَجبُ أن تعيشَ مجتمعاتُنا ثقافةَ بناءِ المساجدِ لأنَّها من مظاهرِ الإسلامِ الحقِّ.

وأضافَ: لكنَّ هذا لا يكفي، فالمطلوبُ عمارَتُها، وهذهِ العمارةُ لا تتعلَّقُ بالمادِّيَّاتِ بل بالرُّوحانيَّاتِ، لذلك لا يمكنُ أن تكونَ على يَدِ المشبِّهينَ والمعطِّلينَ مِن الذين انحرَفُوا بعقيدَتِهم عن نهجِ التَّوحيدِ الذي أقرَّهُ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، فعمارةُ المساجدِ لا تكونُ إلاَّ على أيدي مَن انتَهَجَ نهجَ الحقِّ من المؤمنينَ المحمَّديِّينَ العلويِّينَ الذين أثبَتُوا وجودَ الحقِّ في سماواتِهِ وأرضِهِ وَنَزَّهوا ذاتَهُ تعالى عن حَدَّي التَّشبيهِ والتَّعطيلِ، لأنَّ المشركَ هو الذي زَعَمَ إدراكَ الوجودِ، والمعطِّلَ هو الذي زَعَمَ عدمَ إدراكِ الوجودِ، وكلاهُما يقعُ فيهِ قوله سبحانه: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

 

أجرى الحوار: محمد مظهري

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الـمسجد هو المقام الذي يعبر عن الاتصال بالله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger