منطق الصامت والمتكلم

2 1٬525

منطق الصامت والمتكلم

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

إنَّ جوهرَ الرَّبِّ قبلَ إيجادِ الكلمةِ مُنفَرِدٌ عن فِعلَي الصَّمتِ والتَّكليمِ، لأنَّ الصَّمتَ والتَّكليمَ من نسبةِ الأعراضِ، فِعلانِ من أفعالِ الصَّامتِ والْمُتكلِّمِ، وهما مَصدرانِ فإذا صَمَتَ يُقالُ: صَمْتٌ، وإذا تَكَلَّمَ يُقالُ: تَكلِيمٌ.

وقد سُمِّيَ الرَّبُّ باسمِ الصَّامتِ والْمُتكلِّمِ لِنَعلَمَ أنَّ الْمُتكلِّمَ مع سيِّدنا موسى الكليمِ (ع) عند معاينَةِ التَّجلِّي على جبل الطُّورِ، هو الصَّامتُ الذي لا يُحَدُّ بالحسِّ ولا يُدرَكُ بالحواسِّ ولا يُوصَفُ باللِّسانِ.

فالصَّمتُ والتَّكليمُ حالانِ أظهرَهُما الرَّبُّ لحاجةِ السَّالكينَ وإثباتِ الحجَّةِ وإقامة العَدلِ، وهو غنيٌّ عن هذَين الحالَين، لذلكَ فإنَّ الصَّامتَ غيرُ الْمُتكلِّمِ والْمُتكلِّمَ غيرُ الصَّامتِ من جهةِ السَّالكينَ.

فالصَّمتُ والتَّكليمُ مرتبطانِ بوجودِ السَّالكينَ، لأنَّ الرَّبَّ أوجدَ السَّالكينَ ثمَّ كلَّمَهم، فإذا نَسَبْتَ التَّكليمَ إلى الرَّبِّ كان لا حقيقةَ له، وإذا نَسَبْتَهُ إلى عالمِ السُّلوكِ وَجَدْتَهُ دليلاً باديًا يُعاينُهُ كلُّ أهلِ السُّلوكِ، فالرَّبُّ لا ينتقلُ بين الأعراضِ الْمُتضادَّةِ، فلو كانَ الصَّمتُ والتَّكليمُ ثابتَينِ عليهِ لَثَبَتَ عليهِ التَّحوُّلُ بين حالَي الصَّمتِ والتَّكليمِ وبالعكسِ، وهذا مُحالٌ.

فكلٌّ من فعلَي الصَّمتِ والتَّكليمِ ليسَ ماهيَّةً لجوهرِ الرَّبِّ، أي أنَّهُ كان لا صامتًا ولا مُتكلِّمًا قبلَ إيجادِ عالَمَي العقلِ والحسِّ، لأنَّهُ إذا كان صامتًا فَعَمَّنْ يكون صامتًا، وإذا كان مُتكلِّمًا فَلِمَنْ يكونُ مُتكلِّمًا!؟

لكنْ بعدَ التَّجلِّي حصـلَ التَّكليمُ والصَّـمتُ فصـارَ للمُتجلِّي صِـفَتَي الْمُتكلِّمِ والصَّـامتِ، لذلكَ لا يُقالُ للرَّبِّ: (صامتٌ ومُتكلِّمٌ) إلا بعدَ إيجادِ عالَمَي العقلِ والحسِّ بدليل ما قاله الإمام علي (م): (مَـه، كانَ ولا مكان ولا دهر ولا زمان ولا ليل ولا نهار).

فالتَّكليمُ هو فعلُ النِّداءِ من النَّارِ، والصَّمتُ هو توقُّفُ النِّداءِ من النَّارِ، وهذا لا يعني فناءَ الرَّبِّ، لذلكَ فهو ليس صَمْتَ إنكارٍ وعدمٍ، لأنَّ الصَّمتَ والتَّكليمَ اقتَرَنا بهيئةِ النَّارِ، أمَّا جوهرُ الرَّبِّ فهو أَجَلُّ من ذلكَ الحَدِّ والحَصرِ.

وكلُّ ذلكَ مما يدُلُّ على أنَّ الرَّبَّ الذي قال: (أنا إلهُ أبيكَ، إلهُ إبراهيمَ وإلهُ إسحاقَ وإلهُ يعقوب)، هو الذي سمعَهُ سيِّدنا النَّبيُّ موسى (ع) مُتكلِّمًا من النَّارِ، وأشارَ إليه بقوله لقومِهِ: (وقُلتُم: هُوَذا الرَّبُّ إلهُنا قد أرَانا مَجدَهُ وعَظَمَتَهُ وسَمِعنا صَوتَهُ من وسطِ النَّارِ. هذا اليوم قد رأينا أنَّ اللهَ يُكلِّمُ الإنسانَ ويَحيا)، ثمَّ دَلَّ (ع) على أنَّهُ تعالى بجوهرِهِ عن أن يكونَ من هيئةِ وجنسِ النَّارِ بقوله لهم: (فاحتَرِزُوا لِتَعمَلُوا كما أمرَكُم الرَّبُّ إلهُكُم. لا تَزيغُوا يمينًا ولا يسارًا)، فجميعُ السِّماتِ التي يُبديها والأفعالِ التي يُظهِرُها الرَّبُّ لعالمِ العقلِ وعالم الحسِّ لا تقعُ إلاَّ على عالمِ العقلِ وعالمِ الحسِّ وَزنًا بوَزنٍ، وهو بجَوهرِهِ مُنفردٌ عنها، ومَنطقُنا العلويُّ يُفرِدُهُ عن السِّماتِ والأفعالِ العَرَضِيَّةِ والْمَاهيَّاتِ الْمَحدودةِ الْمَحسوسَةِ والْمَعقولَةِ، لأنَّها جميعًا لا تقومُ بنفسِها بل تقومُ بالجوهرِ، وليسَ الجوهرُ هو مَن يَقومُ بها.

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> منطق الصامت والمتكلم

2 تعليقات
  1. ميسم يقول

    حياك الله ربي الفيلسوف الموحد السيد أسامه عبدو على هذة التحفة المنطقيه العلوية الفريدة… بانتظار المزيد من هذا الألق السلس

    1. admin يقول

      حياك الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger