التقية وعلم التوحيد

4 899

التقية وعلم التوحيد

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما قَولُكم فيمَن يدَّعي أنَّه يقيمُ التَّقيَّةَ ولكنَّهُ يُزَيِّفُ علمَ التَّوحيدِ خوفًا؟

 

وردَ عن حكماءِ العلويِّينَ أنَّ (مَن خَشِيَ اللهَ خَشِيَ منهُ كلُّ شيءٍ، ومَن لم يَخشَ اللهَ خَشِيَ من كلِّ شيءٍ)، وهذا قانونٌ نتعاملُ وِفقَهُ مع كلِّ النَّاسِ.

والخشيةُ هنا لا تعني الخوفَ، بل الخشوعَ لقولِهِ تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِـعاً مُّتَصَـدِّعاً مِّنْ خَشْــيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، لأنَّ الْمُؤمنَ لا يعبدُ اللهَ خوفًا ورهبةً ولا طمعًا ورغبةً، ولكنَّهُ يعبدُهُ خشوعًا وشكرًا بدليلِ قولِهِ تعالى: (وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، وهوَ ما أشارَ إليهِ سيِّدُنا النَّبيُّ عيسى المسيح (ع) بقوله: (اطلُبُوا أوَّلاً مَلكوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وهذهِ كلُّها تُزَادُ لَكُم).

وهذا الخشوعُ هو تُقَى الْمُؤمنِ التَّوحيديُّ، حيثُ يُقال: (مؤمنٌ تَقِيٌّ أي عابدٌ خاشعٌ موحِّدٌ)، ومَن اتَّقى اللهَ موحِّدًا إيَّاهُ غيرَ مشرِكٍ ولا مُنكِرٍ وَقَاهُ اللهُ الوقوعَ في شرِّ فِتَنِ التَّشبيهِ والتَّعطيلِ التي يحاولُ أهلُ البِدَعِ والشُّبهاتِ أن يُوَرِّطوهُ بها لقوله تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) والذي سُئلَ عنه الإمامُ الصَّادق علينا سلامُهُ فقال: (أمَا لَقَدْ بَسَطُوا عليهِ وقَتَلُوهُ ولكنْ أتَدْرونَ مَا وَقَاهُ؟ وَقَاهُ أن يَفتِنوهُ في دينهِ).

وفي هذا الْمَعنى كَرَّمَ الأئمَّةُ الْمَعصومونَ الْمُؤمنَ التَّقيَّ الْمُوحِّدَ حيثُ وردَ عن الإمامِ الباقرِ علينا سلامُهُ أنَّهُ قالَ: (لا واللهِ ما على وَجْهِ الأرضِ شيءٌ أحبُّ إليَّ منَ التَّقيَّةِ، إنَّهُ مَن كانَتْ لَهُ تقيَّةٌ رَفَعَهُ اللهُ، ومَن لم تَكُنْ لَهُ تقيَّةٌ وَضَعَهُ اللهُ. إنَّ النَّاسَ إنَّما هُم في هدنَةٍ فلو قد كانَ ذلكَ كانَ هذا)، فالتَّقيَّةُ التي يرفعُ اللهُ بها عبدَهُ الْمُؤمنَ هي علمُ التَّوحيدِ، لأنَّهُ لو كانَ مُثبـِتًا للوجودِ دونَ نَفِي للأعراضِ كانَ مُشرِكًا، ولو كانَ نافٍ للوجودِ غيرَ مُثبـِتٍ كانَ مُنكِرًا، وسَيَضَعُهُ اللهُ في الحالَتينِ، ونحنُ في دارِ هدنةٍ مليئةٍ ببدَعِ التَّعطيلِ وشُبهاتِ التَّشبيهِ، ولا ينجو منها إلاَّ مَن اتَّقى اللهَ وأقبَلَ إليهِ لقولِهِ تعالى: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، فيرفَعُهُ ويُنَجِّيهِ من الوقوعِ في مهالِكِ الفِتَنِ لقولِ الإمامِ الباقرِ علينا سلامُهُ: (التَّقيَّةُ جَنَّةُ الْمُؤمنِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> التقية وعلم التوحيد

4 تعليقات
  1. محمد زيتون يقول

    جعلنا الله وإياكم من الذين صبروا وصابروا و رابطوا واتقوا الله

    1. admin يقول

      بوركت

  2. أبو قسورة الأسد يقول

    جزاك الله كل خير مبارك لنا بكم

    1. admin يقول

      بوركت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger