مطيع الإمام: ذليل أم عزيز

2 1٬078

مطيع الإمام: ذليل أم عزيز

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو الْمَقصودُ بالذُّلِّ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (طاعةُ عليٍّ ذُلٌّ ومَعصِيَتُهُ كفرٌ بالله). حيث قيل له: يا رسولَ اللهِ، وكيفَ تكون طاعةُ عليٍّ ذُلاًّ ومَعصِيَتُهُ كفرًا باللهِ؟ قالَ: (إنَّ عليًّا يحكُمُكم بالحقِّ، فإنْ أطَعتُمُوهُ ذُلِلْتُمْ وإنْ عَصَيتمُوهُ كفَرْتُم باللهِ عزَّ وَجَلَّ)؟

 

يجبُ عدمُ الوقوفِ عندَ حرفيَّةِ اللفظِ، وعدمُ أخذِ الجوانبِ السَّلبيَّةِ من كلامِ الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ (ع)، فما يَقولُهُ الْمَعصومُ له عدَّةُ وجوهٍ لابدَّ من محاولةِ الوصولِ إليها، ومِن ذلكَ معنى لفظِ (الذُّلِّ) في هذا الحديثِ.

فالشِّيعةُ حسبَ شرحِ الكُليني اعتبرَت أنَّه ذُلٌّ في الدُّنيا وعندَ النَّاسِ لأنَّ طاعتَهُ تُوجبُ تركَ الدُّنيا وزِينَتها والحكمَ للأقوياءِ و… وكلُّ ذلكَ ممَّا يُوجِبُ الذُّلَّ عندَ النَّاسِ!!!

إنَّ هذهِ النَّظرةَ السِّطحيَّةَ لِمَعنى الذُّلِّ أمرٌ طبيعيٌّ يرتبطُ بنظرةِ هؤلاءِ الْمُقصِّرةِ للعذابِ الذي قضاهُ- حسبَ زعمِهم- الإمامُ الحسينُ علينا سلامُهُ ومَن معه في كربلاء، وما ذَاقوهُ من القتلِ والعطشِ والسَّبي وما إلى ذلكَ بصورةٍ صوَّرَتْ أنَّ اللهَ تخلَّى عن مُمَثِّلي الحقِّ وتركَهُم عُرضةً للذُّلِّ والعذابِ على أيدي كُفَّارِ بني أميَّةَ وفُجَّارِ بني العبَّاس.

والحقيقةُ أنَّ طاعةَ الإمامِ علي (م) عِزٌّ بدليلِ قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ).

ولِفَهمِ لفظِ الذُّلِّ عندَنا كعلويِّينَ نُصيريِّينَ، عَلينا أن نعودَ للقرآنِ الكريمِ لنرى معانيها:

  • فالْمَعنى الأوَّل في قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) يدلُّ على القِلَّةِ، فالْمُؤمنونَ الْمُوحِّدونَ لم يكونوا آنذاك أذلَّةً بالْمَعنى الحرفيِّ لكلمةِ الذَّليل؛ أي الْمُهان والضَّعيف والحقير، بل كانوا وما يزالونَ قِلَّةً وأعزَّهم اللهُ بنصرٍ مُبينٍ.
  • والْمَعنى الثَّاني في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)، يدلُّ على الحمايةِ والعِنايةِ كقوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)، فهؤلاِء القوم هم حُجَجُ اللهِ التي لا تَخلو الأرضُ منهم، لأنَّهم سُبُلُ النَّجاةِ عندَ وقوعِ ارتِدادِ البعضِ عن دينِ التَّوحيدِ إلى شُبهاتِ التَّشبيهِ وبِدَعِ التَّعطيلِ، وهؤلاء الحُجَجُ يَحمونَ ويَعتنونَ بالْمُؤمنينَ الْمُوحِّدينَ من خلالِ احتضانِهم وتعليمِهم سُبُلَ الارتقاءِ والنَّجاةِ، ويَقسَونَ على الْمُشبِّهينَ والْمُعَطِّلينَ، ويرفعونَ رايةَ الجهادِ الحقيقيِّ لإعلاءِ كلمةِ الحقِّ.

فإنْ سألَ أحدٌ عن قولِهِ تعالى: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)، وقولِهِ تعالى: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)، فإننا نقولُ له: هذا لا يتعلَّقُ بالْمُؤمنينَ الْمُوحِّدينَ بل بالْمُخالفينَ الْمُشبِّهينَ والْمُعَطِّلينَ، كقوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

ويبقى معيارُ النَّجاةِ مرتبطًا ارتباطًا تامًّا بولاية أمير المؤمنينَ الإمام علي (م) بدليلِ قولِ الإمام موسى الكاظم علينا سلامُهُ: (إنَّ عليًّا بابٌ من أبوابِ الهُدَى، فمَنْ دخلَ من بابِ عليٍّ كانَ مؤمنًا، ومَن خرجَ منه كانَ كافرًا، ومَن لم يَدخُلْ فيهِ ولم يَخرُجْ منهُ كان في الطَّبقةِ الذين للهِ فيهم الْمَشيئةُ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> مطيع الإمام ذليل أم عزيز

2 تعليقات
  1. محمد زيتون يقول

    طيب الله عيشك ! باختصار الذل يكمن بمعصية الله ولاعز كطاعته

    1. admin يقول

      عيشك طيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger