الوسوسة

2 1٬204

الوسوسة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

عندما أصلِّي أو أقرأ القرآنَ أشعرُ بأنَّ أفكارًا غريبةً تأتي وتُشَتِّتُ تركيزي، وأحيانًا توصِلُني إلى السَّهو والشَّكِّ، فهل هذا يعني أنَّني على ضلالٍ؟ وكيف الخروجُ من هذه الحالة؟

 

هذهِ حالةٌ شائعةٌ بسببِ قلَّةِ الْمَعرفةِ وقلَّةِ اليَقينِ، وليست جديدةً بل قديمةٌ، وقد وردَ في هذا الأمرِ حديثٌ عن سيِّدنا حمران بن أعين (ع) عن الإمام جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ حيث قال: إنَّ رَجُلاً أتَى رسولَ اللهِ (ص) فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّنِي نَافَقْتُ!! فقال (ص): (واللهِ ما نَافَقْتَ ولَو نَافَقْتَ ما أَتَيتَنِي تُعْلِمْنِي ما الذي رَابَكَ. أظنُّ العَدُوَّ الخاطر أتاكَ فقالَ لكَ: مَن خَلَقَكَ؟ فقُلتَ: اللهُ خَلَقَنِي. فقالَ لكَ: مَن خَلَقَ اللهَ؟). قال الرَّجلُ: إي والذي بَعَثَكَ بالحقِّ لَكَانَ كَذَا. فقال سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص): (إنَّ الشَّيطانَ أتاكُم من قِبَلِ الأعمالِ فلَم يَقْوَ عَلَيكُم فأتَاكُم من هذا الوَجهِ لكَي يَسْتَزِلَّكُم، فإذا كانَ كذلكَ فَلْيَذْكُرْ أحدُكُم اللهَ وحدَهُ).

 

إنَّ في هذا الحديثِ عِبَرٌ لابدَّ من الوقوفِ عندَها، أوَّلُها الاعترافُ بالزَّلاَّتِ، لأنَّ الاعترافَ بها فَضيلةٌ، ولا يَتَصَوَّرَنَّ أحدٌ منكم أنَّ الشَّيطانَ لا يُوَسوِسُ إلا للكفَّارِ والْمُشركين، بل هو يُوَسوِسُ لكلِّ أهلِ الْمِزَاجِ البشريِّ، بدليلِ قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، وهذا يدلُّ على أنَّ الوسوسَةَ متعلِّقَةٌ بأعمالِ النَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، والتي وصَفَها أميرُ المؤمنين الإمامُ علي (م) بقوله: (الأنفسُ الأمَّارةُ بالسُّوءِ تَتملَّقُ تَمَلُّقَ الْمُنافق)، فلذلكَ ظَنَّ الرُّجلُ أنَّهُ منافقٌ.

وهذا أمرٌ يجبُ ألاَّ يُخيفَكم كثيرًا لأنَّكم وَعَيتُم ما جَرَى وتنبَّهتُم له، حيث قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، لأنَّ الْمُؤمنينَ الْمُوحِّدينَ عندما يأتيهم الوَسواسُ ليزرَعَ الشَّكَّ في صدورِهم تجاهَ إثباتِ الوجودِ فيُزَيِّنَ لهم شُبهَةَ التَّعطيلِ ليُوقِعَهُم بفَخِّ الإنكارِ، أو يزرَعَ التَّشكيكَ في أوهامِهم تجاهَ إفرادِ الذَّاتِ الإلهيَّةِ فَيُصَوِّرَ لهم بأوهامِ التَّشبيهِ أنَّ لها اسمًا أو صفةً أو فعلاً أو ماهيَّةً ليُوقِعَهُم بشِبَاكِ الشِّركِ، يَلتزِمونَ أمرَ النَّبيِّ (ص) بتوحيدِ ذكرِ اللهِ إثباتًا وإفرادًا فيَعودونَ إلى رُشدِهم بدليلِ قوله سبحانَهُ: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ)، وهو ما أشارَ إليه سيِّدُنا النَّبيُّ المسيحُ (ع) بقوله: (صَلُّوا بدونِ انقطاعٍ يا تَلاميذي لِتُعطَوا، لأنَّ مَن يَطلُبْ يَجِدْ، ومَن يَقْرَعْ يُفتَحْ لَهُ، ومَن يَسألْ يُعْطَ، ولا تَنظُرُوا في صَلَواتِكم إلى كثرَةِ الكلامِ لأنَّ اللهَ يَنظُرُ إلى القلبِ كما قالَ لسليمانَ: يا عَبدِي أعطِنِي قَلبَكَ).

أمَّا وَصفُ رسولِ اللهِ (ص) لهذا الأمرِ الحاصلِ بالعَدُوِّ الخاطِرِ فهو عائدٌ لقوله (ص): (أَعْدَى عَدُوِّكَ نفسُكَ التي بين جَنبَيك)، وهنا موضعُ الخطرِ، فإذا كانَ الشَّخصُ الْمُوَسْوَسُ له في البَدْءِ كافرًا اتَّبعَ السُّوءَ بدليلِ قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)، وقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ)، وهؤلاء لا أملَ لهم بأنْ يَصِيروا مؤمنينَ موحِّدينَ لقوله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

أمَّا أهلُ التَّوحيدِ الحقِّ فلا خوفٌ عليهم لأنَّ رحمةَ الرَّبِّ شَملتْهم بدليلِ قول اللهِ عزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ)، وقوله جلَّ جلالُهُ: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الوسوسة

2 تعليقات
  1. غفار يقول

    مقال جميل بارك الله فيك .
    ممكن لو تفضلت مع الوسوسة تزيد على المقال الاستغفار و الرجوع

    1. admin يقول

      يوجد مقال اخر حول الاستغفار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger