التسليم لله

2 674

التسليم لله

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هو حُكمُ النَّاسِ الذينَ إذا أعطَيتَهم جوابًا بآيةٍ قرآنيَّةِ أو حديثٍ نبويٍّ أو إماميٍّ يتجاهَلونَهُ ويتَّبِعونَ أهواءِهم؟

 

لقد تسرَّبَتْ إلى مُجتمعِنا العلويِّ النُّصيريِّ بِدَعٌ وشُبهاتٌ كثيرةٌ هدفُها أن تُهبِطَنا من مُستوانَا العرفانيِّ الرُّوحانيِّ الرَّاقي إلى مستوى الحشويَّةِ والْمُقصِّرَةِ الْمَادِّيِّ، بحجَّةِ علمِ الشَّرائعِ الواردِ في كتبِ الحديثِ التي دُسَّ فيها الكثيرُ من الأحاديثِ الْمَكذوبَةِ، ممَّا دَعَا الحشويَّةَ والْمُقصِّرَةَ والْمُرتدِّينَ الخونةَ إلى اللجوءِ لِمَبدأ الفَتوى الْمَذمومِ عندَنا بدليلِ قولِ الإمامِ جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ: (واهرُبْ مِنَ الفُتيَا هُرُوبَكَ من الأسدِ، ولا تَجعَلْ عُنُقَكَ جِسْرًا يُمَدُّ للنَّاسِ يومَ القيامةِ)، لأنَّ الْمُفتي سيُهلِكُ كلَّ مَن اتَّبعَ فتواهُ، فهو هالِكٌ بها ومُهلِكٌ غيرَهُ بها، وقد أكَّدَ على ذلكَ الإمامُ الصَّادق علينا سلامُهُ بقولِهِ: (خُصْلَتَانِ مُهلِكَتَان: أن تُفتِي النَّاسَ بِرَأيكَ، أو تدينَ بِمَا لا تَعْلَمُ).

وأهلُ الفتوى هؤلاء ذكرَهُم سيِّدُنا النَبيُّ المسيحُ (ع) بقوله: (الحَقَّ أقولُ لَكُم: إنَّ هؤلاء يَشهَدُون بمَا لَم يَرَوا ولم يَسمَعُوا قَطُّ، ويَقضُونَ دونَ أن يُنَصَّبُوا قُضَاةً، وإنَّهم لذلكَ مَكروهُونَ على الأرضِ أمامَ عَينَي اللهِ الذي سَيُدينُهم دَينونَةً رَهيبةً في اليومِ الآخِرِ).

لذلكَ نبتعدُ نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ عن الفتاوى، لأنَّنا أهلُ نَصٍّ نتَّبِعُ ما جاءَنا عن السَّادَةِ الثِّقاتِ مرفوعًا إلى الأئمَّةِ الأطهارِ بدليلِ قولِ سيِّدنا أبي شعيب محمَّد بن نُصير (ع): (لا تأخذوا دينَكُم إلا عمَّنْ أخذَ مِنَّا نَصًّا بَعضًا عن بعضٍ)، وهذا الأمرُ يجمعُ الشَّملَ على كلمةِ الحقِّ بدلَ أن يُفرِّقَهُ بهَوَى الفتاوى، وهذا هو الْمَقصــودُ بطاعةِ اللهِ ورسولِهِ في قوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُـولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقوله سبحانَهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).

فالبَتُّ في الأمرِ يأتي من اللهِ تعالى في قوله: (ثُمَّ جَعَـلْـنَاكَ عَلَى شَــــرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)، وعلينا اتِّباعُ هذا الأمرِ الإلهيِّ الْمُنَزَّلِ شِرعةً ومَنهاجًا في قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).

ولا يَعنينا أو يؤثِّرُ على التزامِنا بالنَّصِّ اعتراضُ الْمُقصِّرينَ، لأنَّهم فَضَّلوا في هذهِ الحالِ اتِّباعَ أهوائِهم على اتِّباعِ الحقِّ، وقد قالَ جلَّ جلالُهُ: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

وإذا لم يَجدِ الْمُؤمنُ جوابًا لِعَجزِهِ أو تقصيرِهِ فعليِهِ بالوقوفِ عندَ حَدِّ علمِهِ الواردِ عن الإمامِ أو النَّبيِّ أو الصَّحابةِ الْمَيامينِ لقولهِ تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـؤُولاً).

وإذا اعترضَ البعضُ بشكلٍ غيرِ مباشر، كأنَّما يسألونَ عن سببِ الأمرِ الإلهيِّ، ولِمَاذا لم يأمرِ اللهُ بعكسِهِ، وهم في قرارةِ أنفسِهم يتمنَّونَ عكسَهُ لإرضاءِ أهوائِهم، وهذا نوعٌ من التَّشكيكِ بالأمرِ الإلهيِّ، فإنَّ الرَّدَّ في قوله تعالى: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)، وقد علَّمنا رسولُ الولايةِ الخضرُ علينا سلامُهُ في كلامِهِ للنَّبيِّ موسى الكليم (ع) كيفَ يكونُ التَّسليمُ الكاملُ للحقِّ في قوله تعالى: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا).

ولابدَّ في الختامِ من التَّأكيدِ على أنَّ هذا الاعتراضَ والتَّشكيكَ شركٌ باللهِ وهو ذنبٌ لا يُغفَرُ، حتَّى لو أظهرَ صاحبُهُ الالتزامَ بالشَّرائعِ، لأنَّهُ لم يُتَمِّمْهُ بعلمِ الحقائقِ، وهذا حجَّةٌ عليه.

والدَّليلُ على أنَّ التَّشكيكَ بأمرِ اللهِ شِركٌ ما وردَ عن الإمامِ جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ حينَ قالَ: (لَو أنَّ قومًا عَبَدُوا اللهَ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأقاموا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وحَجُّوا البيتَ وصَامُوا شهرَ رمضانَ، ثم قالوا لِشَيءٍ صَنَعَهُ اللهُ أو صَنَعَهُ النَّبيُّ: ألا صَنَعَ خِلافَ الذي صَنَع!؟ أو وَجَدُوا ذلكَ في قلوبِهم كانوا بذلكَ مُشرِكين)، ثمَّ تَلا هذهِ الآيةَ: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)، ثم قالَ علينا سلامُهُ: (فَعَلَيكُمْ بالتَّسليمِ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> التسليم لله

2 تعليقات
  1. أبو قسورة الأسد يقول

    حياك الله

    1. admin يقول

      بوركت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger