أدب الدين قبل الدين

0 856

أدب الدين قبل الدين

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

ما هي العلاقةُ بينَ أدبِ الدِّينِ والدِّينِ في قول الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (أدبُ الدِّينِ قبل الدِّينِ، ومَن لا أدبَ لَهُ لا دينَ لَهُ)؟

 

لا يمكنُ للمؤمنِ العارفِ البالغِ في التَّوحيدِ إلاَّ أن يكونَ حَسَنَ الخُلُقِ، لأنَّ سوءَ الخُلُقِ هو من صفاتِ الكافرينَ والْمُنافقينَ، وقد يكونُ من صفاتِ الْمُقصِّرينَ، لذلكَ فإنَّ حديثَ الأدبِ وحُسْنِ الخُلُقِ هو تعريفٌ بالْمُؤمنينَ العارفينَ، وتعليمٌ للمؤمنينَ الْمُقصِّرينَ أن ينتَهِجوا هذا النَّهجَ الرَّفيعَ، ولهذا قالَ الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ: (أدبُ الدِّينِ قبل الدِّينِ، ومَن لا أدبَ لَهُ لا دينَ لَهُ).

إنَّ الْمَعنى اللَّفظيَّ للحديثِ واضحٌ، وهو أن ننظرَ إلى أدبِ الرَّجُلِ فإن كانَ ذا أدبٍ وخُلُقٍ حَسَنٍ كانَ من أهلِ الإيمانِ، وإلاَّ فلا إيمانَ له.

ولكنَّ الْمَعنى الجوهريَّ لهذا القانونِ الأدبيِّ، له مضمونٌ توحيديٌّ، فالأدبُ صورةٌ للمؤمنِ، والدِّينُ جوهرُهُ، وإنَّ إثباتَ معرفةِ صورةِ الْمُؤمنِ سابقٌ للإقرارِ بجوهرِهِ، فنحنُ ننظرُ إلى أدبِ الْمُؤمنِ لِنُقِرَّ بجوهرِ الدِّينِ، ومَن لم نستطعْ أن نُثبـِتَ لهُ صورةَ الأدبِ لا نستطيعُ أن نقرَّ له بجوهرِ الدِّينِ، إذْ كيفَ يمكنُ أن نُقِرَّ بأمرٍ لا يُعرَفُ، وهذا هو قانونُ التَّوحيدِ العلويِّ الجعفريِّ النُّصيريِّ إثباتًا وإفرادًا، وهو التَّكليفُ بالحُكمِ على ما نستطيعُ إثباتَهُ من صورةِ الأدبِ للإقرارِ بجوهرِ الدِّينِ، ولم يُكَلِّفْنا ربُّنا بسَبرِ أغوارِ هذا الجوهرِ لعدمِ قُدرَتِنا أو استطاعَتِنا، لقولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (ليسَ لِمَنْ لا يعلمُ حجَّةً على مَن يعلمُ، ولا حجَّةَ للجاهلِ على العالمِ).

ولكنْ يجبُ الحَذَرُ من الوقوعِ في شركِ التَّشبيهِ، فصورةُ الأدبِ تدلُّ على جوهرِ الدِّينِ، لكنَّها لا تُشـــبـِهُهُ، بمعنى أنَّ صورةَ الأدبِ إثباتٌ لجوهرِ الدِّينِ، ولكنَّ جوهرَ الدِّينِ ليس محصورًا بصورةِ الأدبِ. فَمَن جعلَ صورةَ الأدبِ ماهيَّةً لجوهرِ الدِّينِ التَّوحيديِّ وقعَ بالتَّشبيهِ والشِّركِ، ومَن نفى جوهرَ الدِّينِ لعَدَمِ معرفَتِهِ بصورةِ الأدبِ وقعَ بالتَّعطيلِ والإنكارِ.

وكمثالٍ على التَشبيهِ قد نجدُ مؤمنًا مُقَصِّرًا كثيرَ الأدبِ قليلَ العلمِ سليمَ التَّوحيدِ فهو مُقَصِّرٌ مُجتَهِدٌ، وقد نجدُ إنسانًا كثيرَ الأدبِ لكنَّهُ مُشَبِّهٌ أو مُعَطِّلٌ فهو خارجٌ عن التَّوحيدِ ودينُهُ شِركٌ ورياءٌ، وقد نجدُ إنسانًا كثيرَ الأدبِ لكنَّهُ متحدِّثٌ بارعٌ وَرَاوٍ للحديثِ والسُّنَّةِ فهذا حشويٌّ ضالٌّ مُضِلٌّ.

وكمثالٍ على التَّعطيل قد نجدُ مُؤمنًا مُوَحِّدًا مُجاهِدًا لكنَّ أدبَهُ يكونُ في موقعِهِ فقط مع السَّادةِ من رُسُلِ الحقِّ، وهذا ربَّما يَلتَبـِسُ على الضُّعفاءِ فيتَّهمونَهُ بقلَّةِ الأدبِ لقسوَتَهُ في الرَّدِّ على أصحابِ البدَعِ والشُّبُهاتِ، إنَّما هي في الحقيقةٍ شِدَّةٌ، ولا يعني قصورُهم عن التماسِ أدبِهِ عدمَ وجودِ هذا الأدبِ، وبالتَّالي عدمَ وجودِ الدِّينِ، فهؤلاء الْمُعطِّلينَ نَفَوا الدِّينَ عنهُ لأنَّهم لم يعرفوا موقعَ الأدبِ فوقعوا بالإنكارِ.

انطلاقًا من هذا نؤكِّدُ على أنَّ الْمُؤمنَ مفطورٌ على الأدبِ والتَّوحيدِ الخالصِ، بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (إنَّ الخُلُقَ مِنحَةٌ يَمنَحُها اللهُ عزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ الْمُؤمنينَ، فَمِنْهُ سَجيَّةٌ ومنهُ نيَّةٌ)، قيلَ: فأيُّهما أفضلُ؟ فقالَ علينا سلامُهُ: (صاحبُ السَّجِيَّةِ لأنَّه مَجبولٌ لا يَستطيعُ تَغييرَهُ)؛ وهو الْمُؤمنُ العارفُ الذي ذَكَرْنا، (أمَّا صاحبُ النِّيَّةِ فَيَصبِرُ على الطَّاعةِ تَصَبُّرًا)، وهو الْمُؤمنُ الْمُقصِّرُ، وعليهِ أن يُدَرِّبَ نفسَهُ ويصبرَ على الأدبِ لبلوغِ التَّوحيدِ، لذلكَ كانت وصيَّةُ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (تَأدَّبوا ثمَّ تديَّنوا، ثمَّ اعلَمُوا ثمَّ اعمَلُوا، ثمَّ اعرفُوا ثمَّ عَلِّموا)، وهذا التَّدريبُ الدَّؤوبُ قد أشارَ إليهِ سيِّدُنا عيسى المسيح (ع) بقوله: (الحقَّ أقولُ لكم: إنَّهُ لا يَجبُ على الإنسانِ أن يَصرفَ زمنَ حياتِهِ في تَعَلُّمِ التَّكلُّمِ أو القراءةِ، بل في تَعَلُّمِ كيفَ يَشتغِلُ جيِّدًا).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> أدب الدين قبل الدين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger