منطق السبل

2 1٬066

منطق السبل

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

السُّبلُ العُلويَّةُ والسُّفليَّةُ التي هَدَى الرَّبُّ بها عالمَ العقلِ وعالمَ الحسِّ لم يَجعلها ثابتةً على جوهرهِ. فهُدَى التَّجلِّي لو كان له سبيلٌ ثابتٌ عليه لَمَا كُنَّا نَسلكُ سبلاً عدَّةً للهدايةِ كما أشار إليها سيِّدنا نبي الله الأعظم داؤود (ع) بقوله: (كُلُّ سُبُلِ الرَّبِّ رَحْمَةٌ وَحَقٌّ لِحَافِظِي عَهْدِهِ وَشَهَادَاتِهِ).

وقد أعطى الرَّبُّ السَّالكينَ في هُدَى تجلِّيهِ السُّبُلَ ونظائرَها، وجعلَ لأيِّ سبيلٍ يَهديهم بهِ نظيرًا يهديهم به أيضًا، وهذا ما نُسمِّيهِ “كمالُ التَّجلِّي”، وهو الجمعُ بين الْمُتناظرَينِ، وتلكَ هي سِمَةُ التَّجلِّي الْمُعايَنِ كالإشراقِ والإغرابِ، والابتداءِ والانتهاءِ، والأوليَّةِ والآخريَّةِ، والوضوحِ والبُهمَةِ. فالإشراقُ نظيرُ الإغرابِ، والابتداءُ نظيرُ الانتهاءِ، والأوَّلُ نظيرُ الآخرِ، والوضوحُ نظيرُ البُهمَةِ، وجميعُ هذِهِ السُّبلِ الْمُتَناظرَةِ تكونُ في حالِ التَّجلِّي، أمَّا جوهرُ الرَّبِّ فلا نظيرَ ولا شَــــبيهَ ولا مثيلَ ولا ضدَّ ولا ندَّ لهَ.

فالرَّبُّ أهدَى السَّالكينَ السُّبلَ الوجوديَّةَ الْمُتناظِرَةَ عندَ التَّجلِّي، وجعلَ لكلِّ سَبيلٍ نظيرًا في العِيانِ. ولو أنَّ الرَّبَّ أهدَى السَّالكينَ سبيلاً واحدًا ولم يَهدِهم نظيرَهُ لكانوا قد أوقَعوا سِمَةَ السَّبيلِ على جوهرِهِ، فكما أن سُبُلَ الإيجابِ مُتعدِّدَةٌ متكثـِّـرَةٌ، فسبلُ السَّلبِ مُتعدِّدَةٌ متكثـِّـرَةٌ أيضًا، وطريقُ الرَّبِّ الْمُستقيمُ يَجلُّ عن السَّبيلين الْمُتناظرَينِ، إذ الإشراقُ ينفي الإغرابَ، والابتداءُ ينفي الانتهاءَ، والأوَّلُ ينفي الآخرَ، والوضوحُ ينفي البُهمَةَ، والعكسُ صحيح، وقَد قال الإمام علي (م): (بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ)، فهذه السُّبلُ الْمُتناظرَةُ تُطلَقُ على التَّجلِّي في عالَمَي العقلِ والحسِّ، أمَّا جوهرُ الرَّبِّ فقد تفرَّدَ عن سمَةِ الكمالِ لاعتبارِ وجودِ النَّقصِ كنظيرٍ له.

إذن لا يجوزُ في منطقِنا العلويِّ إفرادُ جوهرِ الرَّبِّ عن سُبُلِ السَّلبِ فقط مقابلَ إثباتِ سُبُلِ الإيجابِ كماهيَّةٍ للرَّبِّ، لأنَّ الاستقامةَ في العرفانِ توجِبُ الإفرادَ عن جميعِ السُّبلِ بعدَ إثباتِ التَّجلِّي. أمَّا الالتواءُ فيكونُ في زعمِ الآخرينَ بقولِهم: (سبلُ الإيجابِ أعظمُ من سبلِ السَّلبِ، والبدايةُ أعظمُ من النِّهايةِ، والأوَّليَّةُ أعظمُ من الآخرِيَّةِ، والإشراقُ أعظمُ من الإغرابِ)، وقد أشارَ نبيُّ الله سليمان (ع) لهؤلاء عندما وصفهم بقوله: (الْمُلْتَوِي رَجْسٌ عِنْدَ الرَّبِّ، أَمَّا سِرُّهُ فَعِنْدَ الْمُسْتَقِيمِينَ)، لأن جميعَ السُّبُلِ وجوديةٌ، وسُبُلُ الرَّبِّ لا تفاضلَ بينها، (كُلُّهَا وَاضِحَةٌ لَدَى الْفَهِيمِ، وَمُسْتَقِيمَةٌ لَدَى الَّذِينَ يَجِدُونَ الْمَعْرِفَةَ) كما قال نبيُّ الله سليمان (ع).

وهكذا يكونُ السِّرُّ عند الْمُسْتَقِيمِينَ هو يقينُهم بأنَّ إفرادَ جوهرِ الرَّبِّ عن سُبُلِ السَّلبِ يُوجبُ إفرادَهُ أيضًا عن سُبُلِ الإيجابِ، وحجَّتُهم في هذا قولُ الإمام علي (م): (إثباتُ بعضِ التَّشبيهِ يَستوجِبُ الكلَّ، ولا يستوجبُ كلُّ التوحيدِ ببعضِ النَّفي دونَ الكُلِّ).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> منطق السبل

2 تعليقات
  1. حسن يقول

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    في اللغة لكل كلمة عكس أو ضد
    مثل كلمة الصدق و عكسها الكذب
    و هنا أتسأل هل كلمة الكذب مخلوقة مثل كلمة الصدق.
    أم إن الكذب ظهر بانعدام الصدق .
    الله سبحانه و تعالى خالق كل شئء بأحسن صورة و أكمل وجود.
    ولا يأتي شيء من العدم.
    كيف هو التفكير السليم في هذه الحال و ما هو الاعتقاد الصحيح في ذلك.
    وفقكم الله و رضي عنكم و أرضاكم.

    1. admin يقول

      ان لم تكن مخلوقة فهي معدومة وهنا يبطل التضاد الوجودي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger