لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة

0 2٬613

لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة

حوار عبر وكالة مهر للأنباء- إيران

يوم الثلاثاء ٣١ أيار ٢٠١٦

أكَّدَ الباحثُ الدينيُّ العلويُّ أحمد أديب أحمد أنَّ الفرقةَ العلويَّةَ النُّصيريَّةَ فرقةٌ مسلمةٌ محمديَّةٌ تعتقدُ بالتَّوحيدِ ولها رؤيةٌ فلسفيَّةٌ خاصَّةٌ ومتعاليةٌ عن المادِّيَّاتِ المحسوسةِ مشيرًا إلى أنَّ العلويَّةَ ليسَتْ فرعًا من الشِّيعةِ.

هناكَ الكثيرُ من المعلوماتِ المتضاربةِ وغيرِ المفهومةِ حولَ الطَّائفةِ العلويَّةِ المنتشرةِ في سوريَّة وتركيَّا وشمالِ لبنان، خاصَّةً وأنَّ معظمَ مَن تَناوَلَها عبرَ التَّاريخِ حاولَ التَّشهيرَ بها والطَّعنَ بأئمَّتِها، وإذا ما راجَعنا الكتبَ والمواقعَ التي تناوَلَتْ هذهِ الطَّـائفةَ وَجَدناها متناقضـةً من حيثُ المعلوماتُ التي وَرَدَتْ حولَها، وجميعُها معلوماتٌ غيرُ موثـَّـقةٍ، وأحيانًا تَخرجُ عن حدودِ الـمنطقِ والتَّصديقِ، وإذا ما تصفَّحْنا المواقعَ العلويَّةَ عبرَ الإنترنتِ وَجَدْنا أنَّ هذهِ المواقعَ تحاولُ تقديمَ العلويِّينَ كفرعٍ من الشِّيعةِ، وللحديثِ حولَ هذهِ الطَّائفةِ وتعاليمِها وعقائدِها كان لنا هذا الحوارُ الخاصُّ مع الباحثِ الدِّينيِّ العلويِّ السُّوريِّ الدكتور أحمد أديب أحمد، وهو أستاذٌ جامعيٌّ في كليَّةِ الاقتصادِ بجامعةِ تشرين.

 

وكانت البدايةُ حولَ سَعي البعضِ لتقديمِ العلويِّينَ على أنَّهُم فرعٌ من الشِّيعةِ حيثُ قالَ الدكتور أحمد: ليسَ الأمرُ كذلكَ، فَمَن يزعمُ بأنَّنا فرعٌ من الشِّيعةِ إمَّا كاذبٌ أو غيرُ عارفٍ بنا، فقد جاءَ هذا الزَّعمُ لعدَّةِ أسبابٍ: أوَّلُها أنَّنا على نهجِ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) والأئمَّةِ من بعدِهِ، وثانيها هو الاندماجُ الذي كان موجودًا في عصرِ الأئمَّةِ ما بينَ العوامِّ والخواصِّ وخواصِّ الخواصِّ، فَحَصَلَ الخلطُ لدى المؤرِّخينَ ولم يستطيعوا تمييزَ خواصِّ الخَواصِّ عن العوامِّ والخواصِّ، وثالثُها بروزُ الفتنِ والانحرافاتِ في العهدينِ الأمويِّ والعباسيِّ واللذين كانا من أصعبِ المراحلِ التي مَرَّ بها الإسلامُ فَتَمَّ تشويهُ معانيهِ وقلبُ تعاليمِهِ، لكنَّنا رغمَ قِلَّتِنا بَقينا محافظينَ على العهدِ والميثاقِ الذي فرضَهُ الأئمَّةُ على سادَتِنا من خاصَّةِ الخاصَّةِ، وبقينا نتمسَّكُ بالأصلِ الذي تَفَرَّعَتْ عنه الفِرَقُ الأخرى الشِّيعيَّةُ والإسماعيليَّةُ والزَّيديَّةُ والإسحاقيَّةُ و… إلخ.

وحولَ هذا الأصلِ الذي يتمسَّكُ به العلويُّونَ تساءَلنا إن كان هو الدِّيانَةُ الباطنيَّةُ التي يعتقدونَ بها، فأجابَ الدكتور أحمد: لا يوجدُ شيءٌ في المنطقِ الدِّينيِّ اسمُهُ (ديانةٌ باطنيَّةٌ) لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإِسْلاَمُ) لكنَّ الاختلافَ واقعٌ بسببِ الجهلِ بالعلمِ الذي جاءَ، واتِّباعِ الفروعِ وتركِ الأصولِ لقولِهِ في نفسِ الآيةِ: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، فنحنُ لدينا رؤيَتُنا الفلسفيَّةُ الخاصَّةُ والمتعاليةُ عن المادِّيَّاتِ المحسوسةِ، والتي تعتمدُ على عبادةِ النَّفـسِ الرُّوحانيَّـةِ مع اسـتعمالِ عبادةِ الجسـدِ الجسـمانيَّةِ امتثالاً لقولِ الإمامِ جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ: (مَنِ استعملَ الظَّاهرَ وعرفَ الباطنَ فهو مؤمنٌ حقًّا)، فالظَّاهرُ هو ما نُمارسُــهُ من التَّشــريِع الذي أَتَى به نبيُّ اللهِ محمد صـلواتُ اللهِ عليهِ وآلِهِ تنزيلاً، والباطنُ هو ما نعتقدُهُ من التَّوحيدِ الذي أوضحَهُ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) تأويلاً، وكلُّهُ موجودٌ في كتابِ اللهِ الذي قالَ فيهِ سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص): (إنَّ القرآنَ أُنزِلَ على حرفٍ، لكلِّ آيةٍ منها ظاهرٌ وباطنٌ)، فالظَّاهرُ للعوامِّ والباطنُ للخواصِّ والحرفُ لخواصِّ الخواصِّ، فإنْ كانوا يُطلقونَ على هذا الحرفِ اسمَ (ديانةٍ باطنيَّةٍ) فنحنُ نَدعوهُ (سِرُّ اللهِ) الذي قال فيه الإمام جعفر الصَّادق علينا سلامُهُ: (سِرُّ اللهِ مَبثوثٌ بين خلقِهِ لا يعرفُهُ أكثرُهُم، ولو أرادَ لَعَرَّفَهُم).

 

وحين تساءَلنا عن الفرقِ بين تسميةِ (سِرِّ اللهِ) وتسميةِ (ديانةٍ باطنيَّةٍ) أوضحَ الدكتور أحمد: إنَّ التَّسميةَ الخاطئةَ (ديانة باطنيَّة) تعني أنَّهُ دينٌ غيرُ دينِ الإسلامِ، واللهُ تعالى يقولُ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ)، ولكنَّ هذا السِّرَّ هو عبارةٌ عن حكمةٍ ربَّانيَّةٍ وعلومٍ توحيديَّةٍ وجواهرَ معرفيَّةٍ أُمِرْنا بالمحافظةِ عليها وصيانَتِها لقولِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (لا تُعطُوا الحكمةَ لغيرِ أهلِها فَتَظْلِمُوها، ولا تَمنَعُوها عن أهلِها فَتَظلِمُوهُمْ).

 

وحولَ أنَّ الغلوَّ في الإمامِ عليٍّ هو من أكبرِ المآخذِ على العلويِّين، وهو ما يعتبرُهُ المؤلِّفونَ جوهرَ الدِّيانةِ الباطنيَّةِ التي تُنسَبُ إليهم أوضحَ الدكتور أحمد قائلاً: يجبُ أن نفهمَ مَعنى الغلوِّ حتى نَرُدَّ على هذهِ التُّهمةِ، فالغلوُّ إفراطٌ وتفريطٌ ولا يُرَى المؤمنُ مُفْرِطًا ولا مُفَرِّطًا، فالغلوُّ وفقَ هذا التَّعريفِ يعني إثباتَ التَّجسيمِ والتَّركيبِ لذاتِ الإلهِ عزَّ شأنُهُ، وليسَتْ عقيدَتُنا العلويَّةُ غُلُوًّا ولا تَسفيهًا امتثالاً لقولِ الإمامِ جعفر الصادق علينا سلامُهُ: (احذَرُوا على شبابِكُم من الغلاةِ لكي لا يُفسِدُوهُم، فإنَّ الغُلاةَ شَرُّ خَلقِ اللهِ، يُصَغِّرونَ عظمةَ اللهِ)، ونحنُّ نقرُّ أنَّ مولانا أمير المؤمنين الإمام علي (م) هو الوصيُّ، ولا نُنقِصُ من شأنِهِ لدرجةٍ دونَ الوصايةِ، وكذلكَ لا نرفعُ الأنبياءَ والرُّسلَ لدرجةِ الألوهيَّةِ، لكنَّ التُّهمةَ جاءَتْ لأنَّ المؤلِّفينَ لم يَفهموا إشارَتَنا حين قُلنا أنَّ الولايةَ أعلى من الرِّسالةِ امتثالاً لقوله تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ)، فَمَن سَاوى بين الولايةِ والرِّسالةِ كَمَنْ سَاوى بين اللهِ والنَّبيِّ، وهذا هو الغلوُّ الذي حَذَّرَنا منه علماؤنا وعلى رأسِهم سيِّدُنا محمدُ بنُ نُصَير (ع) وسيِّدنا الحسينُ بن حَمدان الخَصيبيُّ (ع).

 

وحولَ محمَّد بن نُصير الذي اتَّهمَهُ الكثيرون بأنَّهُ أسَّسَ فرقةً من غلاةِ الشِّيعةِ سُمِّيَتْ بالنُّصيريَّةِ وقيلَ فيما بعدُ أنَّهم العلويُّونَ أنفسُهم أوضحَ الدكتور أحمد قائلاً: ما ذكرتُهُ يؤكِّدُ أنَّنا كنَّا خاصَّةَ الخاصَّةِ في أيَّام الأئمَّةِ، لكنَّ استمراريَّتَنا بعدَهم كانت عن طريقِ سيِّدنا محمد بن نصير (ع) الذي عاصرَ الإمامين علي الهادي والحسن العسكري علينا سلامُهُما، وسيِّدنا الإمامَ محمد الحجة القائم (ع)، وقالَ فيه الإمام الحسن العسكري علينا سلامُهُ: (محمَّد بن نُصَير حجَّتي على الخلقِ، خُذُوا كلَّ ما قالَ عنِّي فهو الصَّادق عنِّي)، ولهذا جاءَتْ تَسميَتُنا بالنُّصيريِّين نسبةً له، وهذا فخرٌ لنا لأنَّه كانَ من أشدِّ المحارِبينَ لمفهومِ الغلوِّ الذي وقعَ به كثيرٌ من العوامِّ حيثُ وردَ في أحدِ أقوالِهِ: (لقد قَرَنَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الأسماءَ بِهِ ولم يَقرنْها بِغيرِهِ فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ، وقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ).

 

وحولَ سببِ الاتِّهاماتِ لمحمَّد بن نُصُير علَّقَ الدكتور أحمد قائلاً: خيرُ الكلامِ ما قَلَّ وَدَلَّ في كتابِ الهدايةِ الكبرى لسيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبيِّ (ع) حيثُ قال: حدَّثني محمد بن صالح عن علي بن حسان قال: دخلتُ على سيِّدي أبي الحسن صاحبِ العسكرِ علينا سلامُهُ فقلت له: جُعِلتُ فِداكَ عمَّن آخذُ معالمَ ديني، وبِمَن أهتدي إلى طريقِ الحقِّ؟ فقالَ الإمام علينا سلامُهُ: (تأخذُ معالمَ دينِكَ عمَّنْ ترميهِ النَّاصبةُ بالرَّفضِ، وترميهِ المقصِّرةُ بالغلوِّ، وترميهِ الغاليةُ بالكُفرِ، وهو عند المرتفعةِ محسودٌ، فاطلبهُ فإنَّكَ تجدُ عندَهُ ما تريدُ من معالمِ دينِكَ، فالحقُّ هناك)، فقلتُ: فما وجدتُ هذه الصِّفةَ بغيرِ سيدنا أبي شعيبٍ محمد بن نصير (ع)، فعلمتُ أنَّ الإشارةَ إليهِ، فاتَّبّعتُهُ، فَهُديتُ للحقِّ.

وخِتامًا تساءَلنا مع الباحثِ الدِّيني أحمد إنْ كان اتجاهُهُ الدِّينيُّ يؤثِّر على موقفِهِ السِّياسيِّ من التَّحالفِ مع إيران كونَهُ من الجهةِ الإعلاميَّةِ محلِّلاً سياسيًّا وخبيرًا في الشُّؤونِ الاقتصاديَّةِ، خاصَّةً أنَّ كلامَهُ يمكنُ أن يؤدِّي إلى نوعٍ من الجَدَلِ في بعضِ الأوساطِ السياسيَّةِ والإعلاميَّةِ فأجابَ موضِّحًا: إنْ جازَ أن نصبحَ شيعةً بسببِ التَّحالفِ السِّياسيِّ بين سوريَّة وإيران، فالأوجبُ أن نصبحَ أرثوذكسًا بسببِ التَّحالفِ الأقوى بين سوريَّة وروسيا، أو أن يصبحَ حزبُ اللهِ علويًّا وفقَ هذا المقياسِ، هذا إن افترَضْنا أنَّ كلَّ السُّوريِّينَ علويِّين، وهذا أمرٌ غيرُ صحيحٍ، لذلك أقولُ: الصِّغارُ في السِّياسةِ والسَّطحيُّونَ في الفكرِ والمتعصِّبونَ دينيًّا هم الذين ســيتجادلونَ ويتأثَّرونَ ســلبًا، أمَّا نحنُ فلا نَخلطُ بين الأوراقِ السياسيَّةِ والدِّينيَّةِ، فالتَّحالفاتُ السِّياسيَّةُ لها أبعادُها وطرقُها ومصالُحها المشتركةُ لتحقيقِ الصَّالحِ العامِ للشُّعوبِ السُّوريَّةِ والإيرانيَّةِ والرُّوسيَّةِ بكل طوائفِها ومذاهبِها، أمَّا الدِّينُ فهو للهِ، وكلُّ إنسانٍ له الحريَّةُ المطلقةُ أن يختارَ الطَّريقَ الذي يُوصِلُهُ إلى اللهِ، واللهُ لا تَحدُّهُ الأمكنةُ ولا تبلُغُهُ الطُّرقُ، لكن وكما قال سيِّدنا يعقوب النَّبيُّ (ع) لأبنائِهِ: (يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ الله مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ)، فنحنُ نَسعى إلى معرفةِ اللهِ وَتَوحيدِهِ وعبادتِهِ وفقَ نهجِنا العلويِّ النُّصيريِّ الخَصيبيِّ الخاصِّ بنا، ولنا الحقُّ والحريَّةُ في ذلكَ كما لغيرنا الحريَّةُ في أن يعبدَ اللهَ كما يشاءُ كما قالَ تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ).

 

أجرى الحوار: محمد مظهري

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> لسنا فرعًا من الشيعة ولا علاقة لاختلافنا بالسياسة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger