التوبة والهبطة

0 1٬849

التوبة والهبطة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

التَّوبةُ حصلَتْ قبلَ الهبطةِ، وقد قَبـِلَها اللهُ سبحانَهُ من آدَمَ في قوله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى، فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) فلِمَاذا كانت الهبطةُ طالَما قُبـِلَتْ التَّوبة؟

 

إنَّ هذا السُّؤالَ مهمٌّ جدًّا، وسنناقشُهُ من عدَّةِ جوانبَ:

* الجانبُ الأوَّلُ:

تعتقدُ السُّـنَّةُ الْمُنخنقَةُ بمعتقدِ التَّوراةِ الْمُتداوَلةِ بأنَّ حوَّاءَ هي أصـلُ الإغواءِ، وأنَّها كانت وسيلةَ الشَّيطانِ لإقناعِ آدمَ، يعني أنَّ آدمَ توقَّفَ وتحيَّرَ؛ أي شَكَّ، فسيطرَ الشَّيطانُ على حوَّاءَ، التي دفعَتْ آدمَ لأكلِ التُّفَّاحةِ، كما هو الحالُ في بعضِ الرِّجالِ حيثُ تسيطرُ عليهم نساؤهم في كثيرٍ من الحالاتِ ويُغوينَّهم ويُغريَنَّهم، وبالتَّالي فالْمَسؤوليَّةُ في خروجِ آدمَ من الجنَّةِ، هي مسؤوليَّةُ حوَّاء وليست مسؤوليَّةَ آدمَ حسبَ زَعمِهم!!

أمَّا الشِّــيعةُ الْمُقصِّرَةُ فمِنهم مَن يَزعمُ أنَّ آدمَ وحوَّاءَ كانا خاضعَانِ لإبليسَ معًا، وشريكانِ في العصيانِ والاستسلامِ وطاعةِ الشَّيطانِ!! ومنهم من يزعمُ أنَّ آدمَ يحملُ مسؤوليَّةَ ما حصلَ دونَ حوَّاء، وقد انطلقَ من خلالِ الضَّعفِ البشريِّ!!

وهنا نتساءلُ: ما الفرقُ بينَ اتِّهامِهم لسيِّدنا النَّبيِّ آدمَ (ع) بخضوعِهِ لإغواءِ حوَّاء (ع)، واتِّهامِهم لسيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (ص) بخضوعِهِ لإغواءِ بعضِ أزواجِهِ كما تقولُ رواياتُ صحيحِ البخاري ومسلم؟

 

* الجانبُ الثَّاني:

يَروي السُّـنَّةُ الْمُنخنقَةُ والشِّـيعةُ الْمُقصِّرَةُ والْمُتَشـيِّعونَ الخَوَنَةُ أنَّ إبليسَ اسـتطاعَ أن يُوسـوِسَ لآدمَ وحوَّاء ليدفَعَهُما إلى الانحرافِ عمَّا نهاهُما اللهُ عنهُ من الأكلِ من الشَّجرةِ، لأنَّ إبليسَ حملَ الحقدَ على آدمَ وذرَّيَّتِهِ منذ أمرَهُ اللهُ أن يسجدَ له مع الْمَلائكةِ!!

ومع أنَّ اللهَ سبحانَهُ قد حذَّرَ آدمَ وحوَّاءَ من إبليسَ بقوله: (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)، إلاَّ أنَّ إبليسَ خطَّطَ لآدمَ وحوَّاءَ لِيَعيشا في نطاقِ الأحلامِ الورديَّةِ التي تخاطبُ مشاعرَهُما وأحاسيسَهُما لِيَنسَيا تحذيرَ اللهِ لهما!! وعندما ألقى الأمنياتِ بالحياةِ الخالدةِ في ذِهنَيهما، ولم تكنْ لديهما تجربةٌ في هذا المجالِ، سَمِعَا منه ذلكَ كلَّهُ، وبذلكَ أنساهُما التَّحذيرَ الإلهيَّ حسبَ زعمِهم!!

هل من الْمَعقولِ أن تكونَ لإبليسَ سلطةٌ على آدمَ (ع) نبيِّ اللهِ الْمَعصومِ؟

وهل يجوزُ أن يكونَ هذا النَّبيُّ الْمُعَظَّمُ بَشَرًا وقد أمرَ اللهُ الْمَلائكةَ بالسُّجودِ له؟ فهل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟

إنْ كانَ الإنسانُ حينَ يدخلُ الجنَّةَ بعدَ يومِ القيامةِ لا ينحرفُ عن أمرِ ربِّهِ بل يبقى عبدًا طائعًا عابدًا مُهَلِّلاً للهِ، فهل يَنحرفُ النَّبيُّ وهو أوَّلُ خلقِ اللهِ وأقربُهُ إليه؟

كيفَ عرفَ إبليسُ أنَّ آدمَ وحوَّاءَ سيَهبطان للأرضِ وسيَتكاثرانِ وستكون لهما ذرِّيَّةٌ، وأنَّهُ سيحقدُ عليهما وعلى ذرِّيَتِهما؟

إذا كانَ النَّبيُّ آدم (ع) قد خالفَ اللهَ وهو في الجنَّةِ يراهُ ويسمعُهُ، فما الذي يضمنُ أنَّهُ لن يخالفَهُ على الأرضِ؟ أفليسَ مَن يعصي ربَّهُ في السَّماءِ يعصيهِ في الأرضِ؟

هذه التَّساؤلاتُ تقتضي أن تكونَ رواياتُ السُّـنَّةِ الْمُنخنقَةِ والشِّـيعةِ الْمُقصِّرَةِ عن آدمَ وحوَّاءَ ساقطةً وغيرُ مأخوذٍ بها، لأنَّ النَّبيَّ آدمَ (ع) معصومٌ عصمةً تكوينيَّةً لا يجوزُ فيها الخللُ ولا الزَّللُ.

 

* الجانبُ الثَّالث:

وهو يتعلَّقُ بعصــمةِ ســيِّدنا النَّبيِّ آدم (ع)، حيث أنَّ السُّــنَّةَ الْمُنخَـنِـقَـةَ لا يعصمونَ النَّبيَّ آدمَ إطلاقًا ويعتبرونَهُ كأيِّ بشريٍّ منَّا، أمَّا الشِّيعةُ الْمُقصِّرَةُ فقد الْتَفُّوا كعادَتِهم على الْمَوضوعِ حيث زَعَموا أنَّ آدمَ لم يكنْ نبيًّا عندما كانَ في الجنَّةِ ليخضعَ موقعُهُ لِمَسألةِ العصمةِ، وبالتَّالي لا يكونُ هناك مَحذورٌ من ارتكابِ آدمَ للمَعصيةِ في الجنَّةِ، وقالوا: لو افترَضْنا أنَّهُ كانَ نبيًّا فالأنبياءُ بشرٌ، وقد يخضعونَ لبعضِ نقاطِ الضَّعفِ الذَّاتيَّةِ التي قد تنطلقُ من خلال بشريَّتِهم!! وهكذا تساوى السُّنَّةُ والشِّيعةُ والْمُتَشيِّعونَ في نظرتِهم للأنبياءِ.

 

وهنا نتساءلُ: مَن يخطئُ ويخضعُ لنقاطِ الضَّعفِ هل هو مُؤتَمَنٌ على تبليغِ الرِّسالةِ السَّماويَّةِ؟

 

أقول:

إنَّه لَمِنَ الْمُخجلِ أن يَتَبنَّى الإنسانُ الْمُؤمنُ العاقلُ هذه الرِّواياتِ والْمُعتقداتِ التي تُسِيءُ إلى اللهِ وأنبيائِهِ ورسلِهِ، لأنَّ هذه الرِّواياتِ تُصَوِّرُهم بالْمَظهرِ الذي لا يَليقُ بالأنبياءِ الْمَعصومينَ (ع)، وقد صَدَقَ في قائليها قولُ سيِّدنا النَّبيِّ عيسى الْمَسيح (ع): (إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي)، وبذلكَ علينا أن نفرِّقَ بين ثلاثةِ أنواعٍ من الآدامِ:

  • الأول: هو نبيُّنا آدمُ الجليلُ الْمَعصومُ (ع) الذي لا يخطئُ ولا يَعصي ربَّهُ وهو الذي سجدَتْ له الْمَلائكةُ سجودَ طاعةٍ لأنَّهُ أعلى منها قَدْرًا ورتبةً، وهو الْمَذكور في قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).
  • الثاني: هو آدمُ العاصي الذَّميمُ الذي عَصَى ربَّهُ وتجبَّرَ وتكبَّرَ واتَّبعَ الشَّيطانَ، الْمَذكورُ في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).
  • الثالث: هو آدمُ الْمِزَاجيُّ الذي لم يُذكَرْ لا بالذَّمِّ ولا بالحمدِ إلاَّ بفعلِهِ، وهو آدمُ البَشَريُّ الذي خلقَهُ اللهُ لِيَعرِفَهُ ويَعبُدَهُ، فأمرَهُ ونَهاهُ وأرشَدَهُ وأرسلَ له الأنبياءَ مُبشِّرينَ، وهو الْمَقصودُ في قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)، وهم أَنفُسُ الْمُؤمنينَ قبلَ أن تلبسَ الأبدانَ البشريَّةَ فعرَضَ اللهُ عليهم جنَّةَ مَعرفتِهِ لِيَسكنوا فيها طائعينَ ويأكلوا من رَغَدِ الولايةِ والإقرارِ، ولا يَقربوا شجرةَ الإنكارِ التي سَيُغويهِم بها إبليس الذي توعَّدَ بغوايَتِهم، لأنَّ الغِوَايةَ لا تقعُ على الأنبياءِ بل على الْمُؤمنينَ لقوله تعالى: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، ومَن وَقَعَتِ الغوايةُ عليهم هُم الْمَقصودونَ في قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)، وهي الخطيئةُ، ولكنَّ اللهَ أخذَ الْمِيثاقَ في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّـتَهُمْ وَأَشْـهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِـهِمْ أَلَسْـتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، لذلك فإنَّ الْمُؤمنينَ عائدونَ إلى موطنِهم الأصليِّ بعدَ ارتقائِهم من عالمِ الغِوَايةِ إلى عالَمِ الهدَايةِ لذلك قال تعالى: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)، وهذا الارتقاءُ لا يكونُ إلاَّ بالخضوعِ للتَّجربةِ والتَّدريبِ وجهادِ النَّفسِ ولابدَّ أنَّهُ حاصلٌ لقوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، وهذا لا يكونُ في عالمِ السَّماءِ بل في عالمِ الأرضِ لذلك وجبَ الهبوطُ لآدمَ الْمِزاجيِّ حتَّى تَحصَلَ التَّوبةُ فقال تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) وهم الأنفُسُ وليس آدمَ وحوَّاء، لأنَّ آدمَ وحوَّاء لم يكونا عدوَّينِ لا في السَّماءِ ولا في الأرضِ، ولو كان الخطابُ لاثنينِ لقالَ: (بعضكُما لبعضٍ)، لكنَّهُ قالَ: (بعضُكم لبعضٍ) ليدلَّ أنَّ العددَ يفوقُ الاثنينِ وهم كلُّ الأنفسِ التي كانت في الذَّرِّ، ولكنَّهُ ثنَّى بلفظِ (اهبطَا) ليشملَ الْمُقِرِّينَ والْمُنكِرينَ لأنَّ الإشهادَ كان لهما، وذلكَ لتكونَ الحجَّةُ على الجميعِ فيُقِرَّ مَن يُقِرُّ ويُنكرَ مَن يُنكرَ من جديدٍ، وَوَعدَهم بأنَّهُ سيُرسلُ لهم الأنبياءَ والْمُرسلين فقال: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)، وهم الْمُقِرُّونَ الْمُخلِصُونَ لأنَّ طينَتَهم الطَّيِّبَةَ جُبلَتْ على الإقرارِ، وأردَفَ تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)، وهم الْمُنكِرونَ النَّاكثونَ لأنَّ طينتَهم الخبيثةَ جُبِلَتْ على الإنكارِ.

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> التوبة والهبطة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger