سجود الـملائكة لآدم

0 1٬204

سجود الـملائكة لآدم

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل كانَ سيِّدنا آدمُ (ع) الذي سَجَدَتْ له الْملائكةُ هو أبو البشر؟

 

ما يَهمُّنا في قصَّةِ سيِّدنا آدم تلكَ الْمَعاني العظيمةَ التي أرادَ اللهُ الإشارةَ إلى توحيدِهِ من خلالِها، إذْ قالَ تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ).

لقد تمَّ الخلقُ ثمَّ تمََّ التَّصويرُ، ومن ثمَّ أُمِرَ الْمَلائكةُ بالسُّجودِ، فإلامَ يَرمزُ القرآنُ الكريمُ في هذه الآية ونظائرِها؟ هل آدمُ هنا بَشَرٌ أو نَبِيٌّ؟ أو هو مَثَلٌ أَجَلُّ من ذلكَ؟ هل كانَ آدمُ قبلَ الخلقِ موجودًا أم بَعْدَهُ؟ هل كانَ قبلَ الْمَلائكةِ؟

إذا دقَّقنا في آياتِ القرآنِ الكريم التي رَوَتْ قصَّةِ البَدءِ، نلاحظُ أنه لا يوجدُ ترتيبٌ زمنيٌّ بين سيِّدنا آدم والْمَلائكةِ، فدائمًا تبدأُ الآياتُ بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)، ولكنَّ الآياتِ التي تناولتِ التَّرتيبَ الزَّمنيَّ للخلقِ لم تَذكر اسمَ (آدمَ) صَراحةٌ، حيث قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ)، وقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، ولم يَذْكُرْ هُنَا الاسمَ الصَّريحَ لسيِّدنا آدم، فلماذا كانَ ذلك؟

لاحظوا أنَّ إبليسَ لعنَهُ اللهُ كانَ دائمًا مع الْمَلائكةِ، ولم يكنْ منهم، ولكنَّه كانَ معهم لِيَتَحقَّقَ وجودُ الضِّدَّين: الخيرُ والشَّرُّ، الطَّيِّبُ والخبيثُ، الْمُؤمنُ والكافرُ، الْمُوحِّدُ والْمُشرِكُ….

ولا يمكنُ أن يكونَ الشَّرُّ من أصلِ الخيرِ، ولكنَّه يوجدُ معه لِيَتَبيَّنَ الخيرُ من الشَّرِّ، ولا يمكنُ أن يكونَ الْمُشركُ من الْمُوَحِّدينَ، بل مَعَهُم، أي أنَّهُ يُوجَدُ ليُعرَفَ الْمُوحِّدُ مِن الْمُشركِ، والْمُحِقُّ مِن الْمُبطِلِ، وأساسُ هذه الْمَعرفةِ وهذا التَّمييزِ كانَ وجود سيِّدنا آدم، وسيِّدُنا آدم هنا مَثَلُ الحَقِّ الذي أُمِرَ الجميعُ بطاعتِهِ، وبما أنَّ الحقَّ ليسَ له بدايةٌ ولا نهايةٌ، فسيِّدُنا آدم لم يُذكَرْ له بَدءٌ ولا خَلقٌ، فكانَ القولُ الإلهيُّ يُوحي دائمًا بأنَّه موجودٌ، لم يُحدِّدْ زمنَ وجودِهِ، أو متَى كانَ وجودُهُ، أو أينَ كانَ وجودُهُ، في السَّماءِ أو في الأرضِ، بل اكتفى بالإشارةِ إلى الأمرِ الإلهيِّ بالسُّجودِ.

إذن: لا يدخلُ سيِّدُنا آدم في النَّصِّ القرآنيِّ في عدادِ الْمَخلوقاتِ، وهنا قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالخلقُ من جهةِ الخالقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالنَّفسِ، أي بجَوهرِ الْمَخلوقِ، سواءَ كانَ بَشرًا أو مَلاكًا، أمَّا التَّصويرُ فهو من جهةِ الْمَخلوقِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بالجسمِ، أي بالأعراضِ والأسماءِ والصِّفاتِ، فهل جسمُ الإنسانِ موجودٌ قبلَ نفسِهِ أو العكسُ؟ وهل هيكلُ الْمَلاكِ موجودٌ قبلَ جوهرِهِ أو العكسُ؟ فالنَّفسُ قبلَ الجسمِ، والجوهرُ قبلَ العَرَضِ، لذلكَ كانَ الخلقُ قبلَ التَّصويرِ. ثم قالَ: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). لِمَاذا لم يقلْ: (ثم قلنا لكم) كَتَتابُعٍ لِسِيَاقِ الكلامِ؟

لو قال ذلكَ لَكَانَتِ الآيةُ: (ثُمَّ قُلْنَا لكم اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدْتُمْ إلاَّ إبليسَ) وهذا غيرُ واردٍ، لأنَّ الْمُخَاطَبَ في بدايةِ الآيةِ (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) كانَ كافَّةَ الخَلقِ من مؤمنٍ وكافرٍ وسعيدٍ وشقيٍّ وطيِّبٍ وخبيثٍ، ولكنْ: ليسَ كلُّ مَن يَسمعِ الأمرَ يُسارِعُ إلى الطَّاعةِ، فالطَّاعةُ محصورةٌ بالْمَلائكةِ، وهم مِن عِدَادِ الْمُخاطَبين، وليسوا جميعَ الْمُخاطَبينَ، فَهُم مَن أقرَّ بالطَّاعةِ والعبادةِ.

وكانَ الأمرُ: (اسْجُدوا) ولم يكن: (اعْبُدُوا)، وكان الجوابُ: (فَسَجَدُوا)، والسُّجودُ هنا سجودُ إقرارٍ وتكريمٍ وطاعةٍ لا سجودُ عبادةٍ، فلو كانَ سيِّدنا آدمُ هنا بشرًا فهل يجوزُ سجودُ الأنوارِ للجسدِ الْمَصنوعِ من الطِّينِ؟ وهل يسجدُ النُّورُ للطِّينِ؟ وهل يسجدُ الْملائكةُ للبشرِ؟ لا، فسيِّدُنا آدم هنا إذن ليـس مخلوقًا، بل هو أَجَلُّ من الْمَخلوقينَ.

أمَّا إبليسُ سائسُ أهلِ الشِّركِ والجحودِ (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ)، ولن يكونَ من السَّاجدين، لأنَّه لا يَدخلُ في عِدَادِهم، لكنَّه قال: (أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).

لاحظوا مَكرَهُ وكِبْرَهُ وحُمْقَهُ وقِياسَهُ، فاللهُ لم يذكرْ أنَّ الْمَثَلَ الآدميَّ من طينٍ، ولم يَذكرْ أنَّهُ مَخلوقٌ، لكنَّ إبليسَ ظنَّ بِجَهلِهِ أنَّ اللهَ سبحانه يأمرُهُ بالسُّجودِ لجَسَدٍ ظَاهرِ، ظَنًّا منهُ أنَّ هذهِ الأعراضَ والأسماءَ والصِّفاتِ والأفعالَ الظَّاهرَةَ ماهيَّةٌ وحقيقةٌ للذَّاتِ الإلهيَّةِ، وبَقِيَ أعوانُهُ وأتباعُهُ على نفسِ النَّهجِ والتَّفكيرِ، يُسَاوونَ بينَ الْمَثَلِ والذَّاتِ الإلهيَّةِ، والصِّفةِ وذاتِ الْمَوصوفِ، والاسمِ وذاتِ الْمُسَمَّى، فَضَلُّوا وكانوا من الْمُشركينَ، وهم أتباعُ إبليسَ الذينَ قال تعالى فيهم: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> سجود الملائكة لآدم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger