قدم الـمنطق العلوي

0 1٬434

قدم الـمنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

لا يستطيعُ السَّالكُ أن يتوقَّفَ عن التَّفكُّرِ بقضايا تتعلَّقُ ببَدءِ التَّكوينِ والغايةِ من الوجودِ ومبدأ هذا الوجودِ، ومسائلِ القِدَمِ والحُدُوثِ والوَحدَةِ والكَثرَةِ، والْمُتناهي واللاَّمُتناهي والعِلَّةِ والْمَعلولِ والواجبِ والْمُمكنِ، وغيرِها من الأمورِ الْمُشتَكِلَةِ على الكثيرين، والتي شَغَلَتِ الفكرَ البشريَّ منذُ عصرِ هُرمُسِ الهَرَامِسَةِ وهو النَّبيُّ الأعظمُ إدريسُ (ع)، وقد ظَهَرَ في مصرَ قبلَ الطُّوفان، واسمُهُ “أخنوخ” عند العبريِّين، و”أرميس” عند اليونانيِّين، وهو الذي أعطاهُ الرَّبُّ النِّعَمَ الثـَّلاثةَ (الْمُلك والحِكمَة والنُّبوَّة).

إنَّ هُرمُسَ الهَرَامِسَةِ (ع) نظَّمَ أوَّلَ مَعَالِمَ الفلسفةِ، والتي كانت تسمَّى في عهدِهِ (عِلَلَ الأشياءِ)، وهو أوَّلُ مَنِ استخرَجَ الحكمةَ وعلمَ النُّجومِ بالوَحي الإلهيِّ، وهو الذي بَنَى الأهرامَ، وقد تخرَّجَ من مدرسَتِهِ الفلسفيَّةِ مجموعةٌ من الفلاسفةِ يُدعَونَ بالهَرَامِسَةِ، وكانوا يَعترفونَ بوجودِ عالَمِ ما وَرَاءَ الطَّبيعةِ.

هذا التَّفكُّرُ لدَى السَّالكِ هو أمرٌ فطرَهُ الرَّبُّ عليهِ منذُ القِدَمِ حتَّى باتَتْ صيغةُ التَّساؤلاتِ تتعلَّقُ بالفلسفةِ، والإجاباتُ تتعلَّقُ بالْمَنطِقِ، فالفلسفةُ تَجعلُ الوجودَ بأجمَعِهِ مَيدانًا لِتَفَكُّرِ السَّالكينَ، وتَحمِلُهُم إلى عَوَالِمَ شتَّى، وتُحَلِّقُ بهم في خفايا هذا الوجودِ، ولا يَرجعونَ بجوابٍ إلاَّ إذا كان مَبْنِيًّا على أُسُسِ الْمَنطقِ العَلَويِّ.

فالفلسفةُ والْمَنطقُ العلويُّ تَوأمانِ منذُ القِدَمِ، لأنَّ الْمَنطقَ العلويَّ هو الوحيدُ القادرُ على الإجابةِ على ما تَرَكَتْهُ الفلسفةُ من تساؤلاتٍ عميقةٍ وأفكارٍ جليلةٍ بدأتْ قبلَ آلافِ السِّنين.

وقد استطاعَ الْمَنطقُ العلويُّ أن يُعيدَ صياغةَ الفلسفةِ الأولى والحكمةِ الإلهيَّةِ بصورةٍ رائعةٍ، تلكَ الحكمةُ التي وَصَفَها سيدنا المسيح (ع) بقوله: (إنَّ الحكمةَ نورُ كلِّ قلبٍ).

واستطاعَ الْمَنطقُ العلويُّ إعادةَ تقديمِ ما وَصَلَ إلينا من فلاسفةِ اليونانِ القدماءِ، ولا سيَّما السَّادَة أرسطو وأفلاطون وسقراط، واستطاعَ أيضًا تفسيرَ مَقَالاتِهِم، وقامَ بتَبسِيطِها للسَّالكينَ لِيُدرِكُوها بقوَّةِ عِرفانِهم، ثمَّ شَيَّدَ أُسُسًا جديدةً على قواعدَ وأصولٍ مُحكَمَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إليها الخَلَلُ، وأخرجَ مسائلَ الفلسفةِ بصِيَغٍ تَعتَمِدُ على البرهانِ والاستدلالِ اعتمادًا على مقولةِ أفلاطونَ الحكيم: (الرَّأيُ الصَّحيحُ يؤيِّدهُ التَّعليلُ)، بحيثُ يَستَنبطُ السَّالكُ ويَستَخرِجُ الجواهرَ من قاعِ بحرِ الأسئلةِ الْمُتلاطِمِ، وبهذا أخرجَ الْمنطِقُ العلويُّ التَّفسيراتِ الفَلسفيَّةَ من التَّبَعثـُرِ والتَّشتُّتِ إلى التَّناسُقِ والوُضوحِ.

ومنذُ عصرِ فلاسفةِ اليونانِ الأقدمينَ اشتدَّ الصِّراعُ بين الفلسفةِ والسَّفسَطَةِ، وضاعَتْ مَعَالِمُ الفلسفةِ بسببِ انتشارِ السَّفسطائيِّينَ وتَحريفاتِهم وتَخليطاتِهم، خاصَّة بينَ الفيثاغوريِّينَ العظماءِ القائلينَ: (إنَّ أصلَ العالَمِ هو العَدَدُ)، والسَّفسطائيِّينَ الْمُنكرينَ لوجودِ العالَمِ الْمَاوَرَائيِّ، لأنَّهُم يَزعمونَ وجودَ الْمَادَّةِ أو الأصلِ الأوليِّ في الطَّبيعةِ.

وقد جاءَ الْمَنطقُ العلويُّ لِيُرسِيَ أُسُسَ الْمَنطقِ الأَرِسْطِيِّ الذي يُعتَبَرُ جوهرَ الفلسفَةِ الحَقَّةِ، ووضعَ نهايةً حاسمةً لهذا التَّضليلِ والتَّزييفِ السَّفسطائيِّ الذي نالَ من الفلسفةِ اليونانيَّةِ، وذلكَ على يَدِ مؤسِّسِهِ الإمام علي (م) الذي قالَ: (لِكُلِّ أمَّةٍ أرسطوطاليس، وأنا أرسطوطاليس كلِّ أرسطوطاليس، وأنا أرسطوطاليس هذهِ الأمَّةِ).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> قدم الـمنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger