حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

0 1٬313

حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

لقد بَحثت الكتبُ السَّماويةُ في مجالِ الرُّوحِ وميَّزَتْ بينها وبينَ الجسدِ والنّفسِ، وبيَّنَتْ مصيرَ النَّفسِ وربطتهُ بأعمالِ الإنسانِ في تنقّلاتهِ. والتأمُّلُ في الآياتِ التي تتحدَّثُ عن الإنسانِ، يكشفُ لنا- بكلِّ وضوحٍ- أنَّ النَّفسَ هي حقيقةُ الإنسانِ ومصدرُ تكامُلِهِ، كما أنَّ البدنَ بمثابةِ الرِّداءِ الذي يغطِّي ويكسو.

وقد سُئِلَ أحدُ سادَتِنا العارفينَ عن روحِ المؤمنِ إذا نُقلَتْ إلى أين تصيرُ؟ فأجابَ: (إنَّ روحَ المؤمنِ إذا خرجَتْ تتلقَّاها الملائكةُ فَتُورِدُها إلى عينٍ يقالُ لها: عينُ الحياةِ، فتكون بها إلى الوقتِ المعلومِ).

وخليقٌ بالذِّكرِ أنَّ أبناء المذاهبِ الحائدةِ يَختلفونَ في كُنْهِ الرُّوحِ، ولكن لمَّا جاءَ علماؤنا وثقاتُنا أكَّدُوا أنَّ الرُّوحَ خالدةٌ، وَوَفَّقُوا في هذا بينَ الفلسفةِ والدينِ متوصِّلينَ إلى إثباتِ أصولِ الدينِ لا بالقواعدِ الشرعية فقط، بل بالقواعدِ الفلسفيَّةِ.

فالرُّوحُ لا يجوز البحثُ في أصلِها وعنصرها، لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبـي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، بل حدُّ القولِ: إنَّ الأمرَ هو العقلُ الأكبر وهو الأصلُ، وجميع أرواحِ المؤمنينَ من أصلٍ واحدٍ ومعدنٍ واحدٍ، ليس بينها تفاضلٌ ولا تفاوتٌ إلاَّ بأسبقيَّةِ الإجابةِ وصدقِ اليقينِ، بدليلِ قولِ الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (إنَّ روحَ المؤمنينَ واحدةٌ خرجَتْ من عندِ واحدٍ وتتفرَّقُ في أبدانٍ شتَّى، فعلى الإيمانِ ائتلفَتْ وبه تحابَّتْ، وستخرجُ من شتَّى وترجعُ عند واحدٍ)، فإذا وصلَ الإنسانُ مبلغًا من المعرفةِ فإنَّ لمعرفتِهِ حدٌّ تتوقَّفُ عندَهُ، يُعبَّرُ عنه بالاستطاعةِ.

من جهةٍ ثانيةٍ: إنَّ التحدُّثَ عن انتقالِ النَّفسِ بعدَ الموتِ يستدعي كتابًا مستقلاًّ حولَهُ، ولا يمكنُ البحثُ عنه بالتَّفصيلِ في هذا المقالِ المحدودِ، وذلكَ لأنَّ الآياتِ القرآنيَّةَ والأدلَّةَ الفلسفيَّةَ وتجاربَ علماءِ النَّفسِ قد برهَنَت اليومَ على انتقالِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ بعدَ الموتِ.

وتؤكِّدُ فلسفتُنا العلويَّةُ أنَّ الإنسانَ مُرَكَّبٌ من البدنِ الذي يَفنى، والنَّفسِ التي تقوم بجسمِ الإنسانِ مَدَى أيَّامِ حياتِهِ على الأرضِ.

فالآياتُ القرآنيَّةُ تدلُّ بوضوحٍ على أنَّ الموتَ ليسَ هو النِّهايةُ للحياةِ، بل هو محطَّةُ انتقالٍ إلى حياةٍ جديدةٍ، وبالموتِ يدخلُ الإنسانُ في عالَمٍ جديدٍ، وهو ما يسمَّى عندنا بالتَّقمُّصِ.

إنَّ القرآنَ الكريمَ لا يعتبرُ الموتَ فناءً لِنَفسِ الإنسانِ وخاتمةً لحياتِهِ، بل إنَّهُ يؤكِّدُ أنّ للإنسانِ قمصانًا أُخرى تسبقُ يومَ القيامةِ، فإذا كانت حقيقةُ الإنسانِ كامنةً في جسمِهِ، فلا شكَّ أنَّ جسمَهُ سوفَ يتلاشى بعد أيامٍ من موتِهِ ودفنِهِ، ويتحوَّل إلى عناصرَ أُخرى.

ولهذا كله جاء قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)، حيث نلاحظُ في هذه الآيةِ تعبيرَ الخروجِ والإخراجِ، وهو تعبيرٌ للإحياءِ بعد الموتِ.

وللإيضاح أكثر نبدأُ بإثبات العدل الإلهي في الخلق، حيث أنَّ الباري تعالى خلق الخلق جميعًا، وساوى بينهم بالاستطاعة، وجعلهم قادرين مخيَّرينَ على الإقرارِ والإنكارِ، ثمَّ دعاهُمْ إلى الإقرارِ بقوله سبحانه: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وكان هو المتجلِّي لهم، والمتكلِّمُ بلا واسطةٍ، لئلاَّ يعترضَ المنكرونَ للتَّجلي فيقولوا: دُعينا إلى مَن لم نعرفْهُ ولم نَرَهُ، فقطعَ عليهم اعتراضهم وأثبتَ حجَّتَهُ عليهم بوجودِهِ وتجلِّيهِ لهم، عدلاً منه تعالى وإنصافًا، وعلى هذا كانَ جوابهم في قوله تعالى: (قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، فتقابلَ الكفرُ والإيمانُ، وسُمِّيَ المٌقرُّونَ “مؤمنين” إذ كانَ الإيمانُ هو التصديقُ لقوله تعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)؛ يعني: ما أنتَ بمصدِّقٍ لنا، كما وردَ عن الإمامِ الصَّادق علينا سلامُهُ أنَّ المؤمنَ سُمِّيَ مؤمنًا لأنَّهُ آمنَ بولايةِ الحقِّ فآمنَهُ من جهنَّمَ أن يَرِدَها ويدخلَ فيها، أمَّا الكافرُ فهو الذي غطَّى الحقِّ بالباطلِ، لقوله تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)، وهذه ألفاظٌ مجازِيةٌ عندَ العارفِين المدقِّقِين، ولو كانت حقيقةً لكانَ من الواجبِ أن تكونَ الأرواحُ طينًا وهذا محالٌ.

فالخلقُ على قسمين: منهم مَن آمنَ بقلبِهِ، ومنهم مَن كفرَ فلم يوافقْ قلبُهُ لسانَهُ، فالمؤمنُ لا يزال مؤمنًا منذ الدَّعوةِ الأولى، والكافرُ لا يزالُ كافرًا منذ الدَّعوةِ الأولى. المؤمنُ يُنسَخُ نسخًا من صورةِ إنسانٍ إلى صورةِ إنسانٍ مثلِها، لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ حتَّى يرتقي إلى عالمِ العقلِ، وذلكَ بعدَ أن لا يبقى للهِ حقٌّ إلاَّ أقامهُ، ولا يبقى من الباطلِ شيءٌ إلاَّ أَنكرهُ ودَحَضَهُ، حيث قال الإمام الصَّادق علينا سلامُهُ: (المؤمنُ لا يخرجُ عن صورةِ الإنسانيَّةِ)، وذلكَ إلى أن يرتقي إلى موضعٍ يسمَّى “عمودَ الشَّبحِ”، وكلٌّ منهم يسمَّى عبدَ اللهِ لقوله علينا سلامُهُ: (كلُّ مَن رَقَى إلى هذهِ الحظيرةِ القدسيَّةِ يسمَّى عبدَ اللهِ). وحتَّى يحقِّقَ ارتقاءهُ الكاملَ لابدَّ من ارتقائِهِ ولادةً تلوَ ولادةٍ حتى يبلغَ العددَ الثَّابتَ، ثم عليهِ أن يأتيَ بعدَها عارفًا باللهِ عالـمـًا بِهِ إلى أن ينتهي غايَتِهِ ثمَّ يصفو، وشرطُ الحسبانِ هو العلمُ والعملُ، إذْ لو تنقَّلَ في ألفِ ولادةٍ بغيرِ علمٍ وعملٍ لم تُحسَبْ له لقولِ سيِّدنا المسيح (ع): (اطلبوا أوَّلاً ملكوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وهذهِ كلُّها تُزَادُ لكم).

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> حقيقة الحياة والموت في الفلسفة العلوية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger