الحيرة في الـمنطق العلوي

0 1٬958

الحيرة في الـمنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

إنَّ الواقفَ على شَرحِ شرائعِ النُّصوصِ بَعيدٌ عن أهلِ الْمَنطقِ العلويِّ الذين يَعتَنُونَ بِفَهم الْمَعاني، لأنَّ الأبحاثَ اللَّفظيَّةَ والهيئاتِ الكتابيَّةَ والألفاظَ الصُّوريَّةَ لا تَكفي لِبُلوغِ الْمَقْصَدِ الأقصى والْمَنزِلِ الأسْنَى، بدليل قول سيِّدنا المسيح (ع): (إنَّه في الأنبياءِ مكتوبٌ أمثالٌ كثيرةٌ لا يجبُ أن تأخُذَها بالحرفِ بل بالْمَعنى).

والكثيرُ من نصوصِ الكتبِ السَّماويَّةِ والأحاديثِ القدسيَّةِ أشارَتْ إلى التَّجلِّي، لكنَّ الْمُعَطِّلينَ زعموا بأنَّ الرَّبَّ مُمتَنِعُ التَّجلِّي فأنكروا الوجودَ وعطَّلوا التَّجَلِّياتِ، والْمُشَبِّهينَ شَبَّهُوا الرَّبَّ بالْمَربوبِ، وجَعَلوا الأعراضَ حقيقةً وماهيَّةً للجوهرِ، فأوقَعوا الرَّبَّ تحت حدِّ الكيفيَّةِ والْمَاهيَّةِ، وهذا هو الكفرُ لأنَّ مَن زَعَمَ أنَّ الرَّبَّ حَلَّ في الأشياءِ فقد جعلَهُ محدودًا، وَمَن جعلَ لهُ ماهيَّةً فقد شَبَّهَهُ، والإمام علي (م) يقول: (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ).

إنَّ منطقَنا العلويَّ يُقِرُّ بالتَّجلِّي لإثباتِ وجودِ الرَّبِّ، ثمَّ يُفرِدُ الجوهرَ عن كُلِّ الأعراضِ لأنَّ كلَّ عَرَضٍ مُدْرَكٌ وَمَحْدودٌ، بينما يُخْرِجُ منطقُنا العلويُّ الجوهرَ عن حَدِّ الشِّركِ التَّشبيهيِّ وحَدِّ الإنكارِ التَّعطيلِيِّ، لأنَّ الآخرينَ لا يُخرِجونَهُ عن هذين الحَدَّينِ بل يزعمونَ أنَّهم يُدركونَهُ ويحصرونَهُ عندما يشبِّهونهُ بالخلقِ ويجعلونهُ من جِنْسِهم ويحصرونهُ بالْمادِّيَّاتِ. فَمَن أنكرَ التَّجلِّي ولم يُثبـِتْ كانَ مُعَطِّلاً كَمَن يَعبدُ العدمَ، ومَن أثبَتَ التَّجلِّي ولم يَنفِ الأعراضَ كانَ مُشَبِّهًا كَمَن يعبدُ الأوثانَ، فالرَّبُّ مَوصوفٌ تجلِّيهِ كيلا يكونَ معدومًا، وهو بجوهرِهِ منفردٌ كيلا يكونَ مَحدودًا لهذا قال الإمامُ علي (م): (مَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ وَرَجِعَ بنفي فذلكَ معطِّلٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بصورةٍ فذلك مُجسِّمٌ، ومَن تفكَّرَ في ذاتِ اللهِ ورجعَ بحيرةٍ فذلكَ مُوحِّدٌ).

هذه الحيرةُ تعني أنَّ الرَّبَّ في منطقِنا العلويِّ لا يقعُ تحتَ الإدراكِ ولا تحتَ الحصرِ، كانَ ولا مَكانَ ولا زَمانَ إذ لا تَسَعُهُ الأمكنةُ ولا تَحصُــرُهُ الأزمنةُ ولا يتُصوَّرُ بالأوهامِ ولا يُدرَكُ بالأفهامِ، ولا يَقَعُ عليهِ اســـمُ شَــيءٍ من الأشـــياءِ، ولا شَــبيهَ له، ولا نَظـيرَ يُشـاكِلُهُ، ولا مَثيلَ يُعادِلُهُ، علا عمَّا يَصفُهُ به الواصفونَ، وتعالى عمَّا يتكلَّمُ به الْمُتكلِّمونَ، فجوهرُ الرَّبِّ أعظمُ وأَجَلُّ وأكبرُ مِن كلِّ الأدلَّةِ العقليَّةِ والحسِّيَّةِ.

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الحيرة في الـمنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger