الاستدلال في الـمنطق العلوي

0 1٬476

الاستدلال في الـمنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

إنَّ البديهيَّاتِ ترتبطُ بالْمَحسوساتِ، لذلكَ تُعتبَرُ أعمَّ وأكثرَ انتشارًا من الْمُسلَّماتِ التي ترتبطُ بالْمَعقولاتِ، والتَّفريقُ بينهما يقودُنا إلى التَّفريقِ بينَ الْمُصطلَحِ والْمَفهومِ، فالْمُصطلحُ هو من خصوصيَّاتِ اللَّفظِ الذي نضعُهُ كبديهيَّاتٍ، أمَّا الْمَفهومُ فهو الهويَّةُ الذِّهنيَّةُ لأمرٍ مُسَلَّمٍ به.

والغايةُ من إقرارِ حدِّ البديهيَّاتِ هو دومًا تعريفُ وتثبيتُ الْمَاهيَّةِ، لأنَّ تعريفَ الْمَاهيَّةِ يُثبـِتُ الحَدَّ، وللحَدِّ نوعان: حدٌّ تامٌّ وحدٌّ ناقصٌ. كما أنَّ تعريفَ الْمَاهيَّةِ يُثبـِتُ الرَّسمَ عندما يتطرَّقُ للعرضيَّاتِ، وللرَّسمِ نوعان: رسمٌ تامٌّ ورسمٌ ناقصٌ.

إنَّ ما سبقَ يَنقلُنا للحديثِ عن الاستدلالِ، الذي يتَّسمُ عند الآخرينَ بصناعةِ الْمُغالَطَةِ وصناعةِ الجدلِ وصناعةِ الخطابةِ والشِّعرِ الفوضويِّ، التي جَعلُوها من البديهيَّاتِ، فيُسمَّى باستدلالِ القياسِ الذي نَهَى عنهُ الإمامُ علي (م) بقوله: (لا تَقيسُوا الدِّينَ فإنَّ أمرَ اللهِ لا يُقَاسُ)، ومع ذلكَ نجدُ الْمُتعلِّمَ عند الآخرينَ مُحاطًا دومًا برُكامٍ ثقافيٍّ اجتماعيٍّ أُسَريٍّ قَبَليٍّ يُؤثِّرُ في سلوكِهِ الفكريِّ فيَبتعدُ عن الْمُوضوعيَّةِ، في حينِ يتَّسِمُ الاستدلالُ في منطقِنا العلويِّ بصناعةِ البرهانِ الذي يرتكزُ على الْمُسلَّماتِ فيُسمَّى بالاستدلالِ البرهانيِّ.

ويتفرَّعُ عن استدلالِ القياسِ الأنواعُ الآتيةُ للقياسِ:

  • قياسُ الجَدَلِ: وهو مرتبطٌ بالْمَشهورِ والتَّقريريِّ الذي يستخدمُهُ الْمُجادِلُ.
  • قياسُ الخُطَبِ: وهو مرتبطٌ بالْمَظنونِ والْمَقبولِ الذي يستخدمُهُ الخُطباءُ.
  • قياسُ التَّخييلِ: ويُستخدمُ في صناعةِ الشِّعرِ الفوضويِّ.
  • قياسُ السَّفسطةِ: وهو قياسُ التَّشبيهِ والْمُغالَطَةِ.

 

بينما يرتبطُ الاستدلالُ البرهانيُّ في منطقِنا العلويِّ بصناعةِ البرهانِ، رافضًا جميعَ القياساتِ السَّابقةِ، لأنَّ البرهانَ في منطقِنا يقينٌ مُطابقٌ للحكمةِ، لا يَحتملُ الخلافَ إطلاقاً، لقول سـيِّدنا الْمَسيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكم: إنَّ غايةَ كلِّ علمٍ هي تلكَ الحكمةُ)، وقول الْمُعلِّمِ الأوَّلِ أرسطو: (أعني بالبرهانِ الْمُؤتَلِفَ اليَقينيَّ، وأعني بالْمُؤتَلِفِ اليَقينيِّ كلَّ الذي نعلَمُهُ بما هو مَوجودٌ فينا)، فمِن شروطِ البرهانِ حصولُ اليقينِ بظرفِ الاتِّصالِ، لأنَّ اليقينَ بالْمُسَلَّماتِ لا يَحتاجُ إلى توسُّطٍ لوجودِ الرَّبِّ، ولا يمكنُ الاستدلالُ عليه إلاَّ بالبرهانِ الْمُؤلَّفِ من خمسةِ حدودٍ مُرتبطةٍ بالحدِّ الأوسطِ الذي يُدعى (مَقام العلمِ)، فالصَّادقونَ الذينَ يتَّصلونَ بمعرفةِ هذهِ الحدودِ الخمسةِ، يسيرونَ سَيرًا مُتدرِّجًا من الْمَنطقِ إلى البرهانِ، ومنهُ إلى الإلهيَّاتِ، لأنَّ الْمَعارِفَ الإلهيَّةَ قدسيَّةٌ، لذا يُعَدُّ الخوضُ فيها أمرًا بالغَ الحساسيَّةِ.

وتعدُّ البراهينُ شرطًا أساسيًّا لدراسة مباحثِ الطَّبيعيَّاتِ وما وراءَها من الإلهيَّاتِ، فالبرهانُ يرفعُ النَّفسَ نحوَ الأعلى ويخلقُ روحَ الفلسفةِ، وقد اشترطَ الفيلسوفُ العظيمُ أفلاطون لدخولِ أكاديميَّتِهِ أن يكونَ الطَّالبُ عالِمًا بالبراهينِ لأنَّ البرهانَ هو الجسرُ الذي ينتقلُ بواسطتِهِ الْمُتعلِّمُ من عالَمِ الْمَحسوسِ إلى عالَمِ الْمَعقولِ، ولعلَّ كتابَ (أصول إقليدس) يُعَدُّ من أهمِّ الكتبِ لشُمولِهِ الأصولَ العقليَّةَ والبراهينَ الهندسيَّةِ.

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> الاستدلال في الـمنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger