منطق التأويل

0 1٬331

منطق التأويل

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

إنَّ كَافَّةَ الأَنبِيَاءِ وَالرُّسُلِ لاَ يدِينُونَ إِلاَّ بدِينٍ وَاحِدٍ وَلاَ يَعبُدُونَ إِلاَّ رَبًّا وَاحِدًا فَلا اختِلافَ بَينَهُم وَلاَ تَفرِقَةَ أبدًا، وَلَو كَانَ الْمرَادُ هَذِهِ الاعتقاداتِ الشَّرعيَّةَ لَكَانَ الاختِلافُ مِنهُم بَدأ وَإِلَيهِم يَعُودُ، ولَو جَازَ لَنَا الاعتِقَادُ بكُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيهِ اسمُ الحُدُودِ، لَوَجَبَ الاعتِقَادُ بشكلِ اعتقاداتِ وحركاتِ أهلِ التَّعطيلِ والتَّشبيهِ والحشوِ، إذ لو كانَ الْمرادُ بالشَّرائعِ شكلَها لَمَا اختلفَتْ أوامرُها ونواهيها وتحليلُها وتحريمُها لأنَّ ذلكَ لا يجوزُ، فالخلافُ عِلَّةُ الخلقِ، والْمطلوبُ علمُ النَّجاةِ الْمَمثولُ بالسَّبيلِ، لا علمُ الهلاكِ الْمُزَخْرَفُ الْمُستَحْسَنُ عندَ أهلِهِ، والذي طُلِبَ رميُهُ.

وقد أَخبَرَ سيِّدنا الْمسِيحُ (ع) أَنَّ اللهَ لاَ يَقبَلُ إِلاَّ مِمَّن يُدِينُ بالأسرارِ لِقَولِهِ (ع): (لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ)، فليس القولُ يكفي إذن.

والرَّبُّ عَزَّ مِن أن يجعلَ فرائضَهُ فيما هو زائلٌ حائلٌ متحلِّلٌ، وَأَيَّةُ حِكمَةٍ مِن ذَلِكَ؟ فَالْمُقِيمُ لهذهِ الحُدودِ الافتراضيَّةِ دُونَ مَعرِفَةِ حقائقِها كَمَن يحملُ آصَارًا وَأَغلالاً.

ومنطقُنا العلويُّ لا يَقفُ عندَ أشكالِ الشَّريعةِ، بل ينتقلُ إلى لوامعِ أنوارِ الحقيقةِ، لِنَقطعَ الطَّريقَ على كلِّ شيطانٍ مُرتَدٍّ يَتَصيَّدُ بشركِ حَبَائِلِهِ، فويلٌ لِمَنْ يَعُدُّ نَفسَهُ مِنَ العلماءِ، وهو في الحقيقةِ من الحَمقى الجاهلينَ الْمُغتَرِّينَ بِلَوَامِعِ السَّرابِ، الذين اتَّخَذُوا دينَهم لَهْوًا وَلَعِبًا، وَغَرَّتْهُمُ الحياةُ الدُّنيا.

فالتَّأويلُ عندنا لا يفترضُ وجودَ معنى قشريٍّ فقط، بل يستندُ إلى أقوالِ الأنبياءِ والرُّسلِ (ع) مع الْمَقالاتِ الفلسفيةِ والعرفانيَّةِ، ونحن ندخلُ إلى عمقِ التَّأويلاتِ والْمَوضوعاتِ.

وقد بيَّنَ منطقُنا العلويُّ معنى الأمثلةِ الصُّوريَّةِ الشَّبهيةِ لفهمِ سائرِ ما أظهرَهُ الأنبياءُ لأهلِ الشَّرائعِ في الكتبِ الْمُنزلةِ وغيرها من الأمثلةِ القوليَّةِ والفعليَّةِ كإظهارِ الحدودِ وغيرها من الأمثلةِ التي اعتقدَ بها أهلُ التَّشريعِ وهم يجحدونَ ما أرادَهُ الرَّبُّ بها من الْمعاني الحقيقيَّةِ أعاذَنا الرَّبُّ منهم ومن أقوالِهم وأفعالِهم، ومن الرِّضا بعلومِهم وزخارفِهم.

فالسَّالكونَ لا يُهمِلُونَ الحقائقَ ومعانيها ولا يَمرُّونَ بالعلمِ الحقيقيِّ صَفْحًا، بل يَتَفَقَّهونَ بمعاني الرِّواياتِ ويتأمَّلونَ بأفكارهم النيِّرةِ وعقولِهم السَّليمةِ، ويعملونَ بقولِ الإمامِ علي (م): (عَقِلُوا علمَ الدِّينِ عَقْلَ وِعَايَةٍ ورِعَايَةٍ لا عَقْلَ سَمَاعٍ ورِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ ورُعَاتَهُ قَلِيلٌ).

لذلكَ كانَ منطقُ العرفانِ العلويِّ أقوى مَنطقٍ عندما تدبَّرَ أهلُهُ معرفةَ الْمَثلِ بعيدًا عن العلمِ التَّشـريعيِّ، بينما يخرجُ أهلُ الرِّوايةِ والتَّشريعِ إلى ما جُعِلَ عليهم من الآصارِ ويقابلونَ ما أنزلَهُ الرَّبُّ عليهم من الكتبِ السَّماويَّةِ بالجحودِ والإنكارِ، ويرفضونَ الْمُرسَلينَ لِرَفضِهم إمامتَهم، ويرجمونَ مَن يُواليهم من السَّالكينَ.

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> منطق التأويل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger