جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

0 998

جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

يمكنُ اعتبارُ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ تجلِّيًا إلهيًّا يدعو أصحابَ الإيمانِ إلى الأخذِ بالرِّسالةِ السَّماويَّةِ، وهي حقيقةُ الشَّريعةِ السَّماويَّةِ، وإلى السَّيرِ للصَّلاحِ في الحالِ والفَلاحِ في المآلِ، فرسالةُ الإسلامِ المحمَّديَّةِ بَيَّنَتْ للنَّاسِ ما اختَلَفُوا فيه وكَشَفَتْ لهم ما اخْتَصَمُوا عليه، والقرآنُ الكريمُ يُقرِّرُ والعلمُ يؤكِّدُ أنَّ للإنسانِ ميلاً روحانيًّا في النَّفسِ إلى الخلاصِ من أَسرِ الشَّكِّ والعروجِ إلى سماءِ اليقينِ، واللهُ تعالى جعلَ هذا الخلاصَ مُقتَرِنًا بِفَهمِ آياتِ النُّبوَّةِ الموجودةِ (رسالة الدِّينِ، شريعةُ الدِّين) فاهتدَى وأيقنَ المؤمنُ وارتابَ المُشرِكُ.

 

فآيةُ النُّبوَّةِ تربطُ الرِّسالةَ والشَّريعةَ بالدِّينِ، وهذا الرَّابطُ هو السَّبيلُ لمعرفةِ اللهِ تعالى، لذلك شاءَتِ العنايةُ الإلهيَّةُ لُطفًا بالعبادِ أن يَتَّخِذَ الإنسانُ هذا الرَّابطَ ملجأً وسكونًا للنَّفسِ عندَ هولِ الشَّدائدِ والأهوالِ. ولم يزلْ دأبُ الرِّسالةِ المحمَّديَّةِ السَّير بالإنسانِ نحو الكمالِ، والإصلاحُ بحكمةٍ واعتدالٍ لِفَكِّ القيودِ المقيِّدَةِ، وهذا العلمُ أساسٌ للعقيدةِ يشتركُ فيه جميعُ رسلِ الشَّرائعِ من عندِ ديَّانٍ أحديٍّ بِهَدَفِ سعادةِ الأنفسِ المؤمنةِ وَصَونِها من حرمانِ شَرَفِ المعرفةِ والعلمِ.

 

وقد تميَّزَتْ مدرسةُ أهلِ الإيمانِ عن غيرها بأنَّها أضافَتْ إلى مفاهيمِ الإسلامِ الـمُسـتقاةِ من كتابِ اللهِ تعالى وتطبيقاتِ رسولِ اللهِ (ص) لها منهجًا في الحكمةِ أشارَ إليه القرآنُ الكريمُ بقوله: (وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)، كما قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

هذهِ الحكمةُ هي ما اصطُلِحَ على تسميَتِهِ بعلَّةِ الشَّرائعِ، إذ أنَّ لكلِّ تشريعٍ حكمةٌ فيه، ولا يمكنُ استنباطُ حقائقِ التَّشريعِ إلاَّ بمعرفةِ عِلَلِهِ التي سمَّاها العارفونَ (الجواهر)، ولهذهِ الجواهرُ مغاليقُ لا تُفتَحُ إلاَّ بالشُّروحاتِ التي تَبينها ذرِّيَّةُ الرِّسالةِ الإلهيَّةِ، وهذهِ الحكمةُ لا تتغيَّرُ بتغيُّرِ الشَّرائعِ، وما لم تُعرَفِ الحكمةُ فإنَّ التَّشريعَ يصبحُ دلالةً فقط، لذلكَ فإنَّ مدرسةَ أهلِ الإيمانِ سَبَقَتْ غيرَها من المدارسِ في تشريعِ حالةِ الارتقاءِ العقليِّ إلى المجرَّداتِ.

 

وهنا يخطرُ ببالِنا السُّؤالُ التَّالي: هل يختلفُ جوهرُ الإيمانِ عن رسالةِ الإسلامِ؟

قيلَ للإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: أخبِرْنا عن الإسلامِ والإيمانِ أهُمَا مختلفانِ؟ فقال: (إنَّ الإيمانَ يُشـارِكُ الإسلامَ في الظَّاهرِ، والإسـلامَ لا يشـاركُ الإيمانَ في الباطنِ، وإنِ اجتَمَعا في القولِ والصِّفَةِ). أمَّا الإيمانُ فَحَمْلُهُ في القلبِ دونَ اللِّسانِ لقوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، لذلك قال سيِّدنا رسولُ اللهِ (ص): (الإسلامُ علانيَّةٌ والإيمانُ في القلبِ فقط).

 

كلُّ ما سَبَقَ يؤكِّدُ أنَّ جوهرَ الإيمانِ يختلفُ عن رسالةِ الإسلامِ من حيثُ المقامُ، وقد اختصرَ الإمامُ الرِّضا علينا سلامُهُ هذهِ الفكرةَ بقوله: ( كلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليسَ كلُّ مسلمٍ مؤمنًا).

كما سُئِلَ الإمامُ الصَّادقُ علينا سلامُهُ عن الفطرةِ في قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) فقال: هي الإسلامُ. وسُئِلَ عن قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً) فقال: هي الإيمانُ.

وقد أشارَ الباري إلى الفطرةِ تأكيدًا للتَّنبيهِ على أنَّ الإسلامَ هو فطرةُ اللهِ التي فطرَ النَّاسَ عليها، وقد وردَ في الكتبِ اللُّغويَّةِ أنَّ الفطرةَ هي الدِّينُ، والفطرةَ هي السُّنَّةُ كَسُنَنِ الأنبياءِ، والفطرةَ هي الصِّفةُ التي يَتَّصِفُ بها كلُّ موجودٍ في أوَّلِ زمانِ خِلقَتِهِ، والفطرةَ هي الابتداعُ والاختراعُ، كما أشارَ تعالى إلى هذا المعنى بقوله: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ). وفي اللُّغةِ: إنَّ صبغةَ اللهِ هي الإيمانُ، وإنَّهُ سـبحانَهُ قد مَثَّلَ لنا وجودَهُ لِعِبادِهِ بالصِّبْغِ الـمَصـبوغِ لِنَعلمَ يقينًا بأنَّ الألوانَ والصُّورَ راجعةٌ للنَّاظرِ، كما أنَّ ألوانَ الصِّبغَةِ راجعةٌ للصِّبغةِ لا للثَّوبِ المَصبوغِ، لقوله تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ)، معناهُ أنَّ التَّقلُّبَ هو في بصرِ النَّاظرِ لا في وجودِهِ تعالى.

ولذلكَ شَهِدَ القرآنُ أنَّ الأنبياءَ والمرسلينَ كانوا مسلمينَ في آياتٍ منها قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فكيفَ كانَ المؤمنونَ في زمنِ موسى مسلمينَ؟

قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فالقرآنُ الكريمُ يقرِّرُ أنَّ الدِّينَ الحقَّ واحدٌ وهو الدِّينُ الذي ارتضاهُ اللهُ لِعِبادِهِ وهو الإسلامُ، وهو جوهرُ رسالاتِ جميعِ أنبيائِهِ، بدءًا من سيِّدنا إبراهيم الخليل علينا سلامُهُ، وقد زَعَمَ اليهودُ أنَّهُ كان على دينِهم، كما زعمَ النَّصارى أنَّه كان على دينِهم، ولكنَّ اللهَ نَفَى ذلكَ بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقد وردَ عن مولانا أميرِ المؤمنين الإمام علي (م) قوله: (لا يهوديًّا يصلِّي في المغربِ ولا نصرانيًّا يصلِّي في المشرقِ ولكن حنيفًا مُسْلِمًا).

وإذا كانَ الإسلامُ في لغةِ القرآنِ هو اسمٌ للدِّينِ الواحدِ الذي دَعَا إليهِ الأنبياءُ، فهل هناكَ مِن اسمٍ خاصٍّ في القرآنِ لأتباعِ رسالةٍ نبيٍّ واحدٍ فقط؟ لقد وصفَ القرآنُ أتباعَ الدِّينِ الحقِّ منذُ عهدِ سيِّدنا نوحٍ علينا سلامُهُ وحتَّى سيِّدنا محمَّد (ص) بأنَّهم مسلمون، فلم يَرِدْ في القرآنِ أبدًا خطابٌ بصيغةِ: يا أيُّها المسلمونَ أو يا أيُّها الذين أسلَموا، لأنَّ ذلكَ يَنفي الشِّركَ، فالمؤمنونَ لا يمكن أن يكونوا مشركينَ، أمَّا المسلمونَ في الأعرابِ فيمكنُ أن يكونوا مُشرِكينَ، والأديانُ الثَّلاثةُ واحدةٌ في جوهرِها الإيمانيِّ، لكنَّ شرائِعَها مختلفةٌ ولا شكَّ لقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، فما معنى المناهجُ والشَّرائعُ؟

قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً) فالرَّسولُ إنَّما أُرسِلَ إلى أمَّةٍ يَدعوهُم إلى دينِ اللهِ، وكانتِ الشَّريعةُ الموسويَّةُ للجزاءِ والشَّريعةُ المسيحيَّةُ للعفوِ والشَّريعةُ المحمَّديَّةُ تُمازِجُ بين الجزاءِ والعفوِ لقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ “شريعة موسوية” وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ “شريعة مسيحيَّة”).

 

ومِن المؤسفِ أنَّ هناكَ مَن جعلَ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) منسوخًا بالآيةِ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) وذلكَ لأنَّهم اعتبَرُوا أنَّ الإسلامَ يخصُّ الرِّسالةَ المحمَّديَّةَ فقط، وهذا لا يتَّفِقُ مع الواقعِ لأنَّ الإسلامَ شَمَلَ رسالاتِ الأنبياءِ، لأنَّ النَّسخَ لا يكونُ بالجوهرِ بل في أحكامِ الشَّرائعِ التي تَتقدَّمُ وتتأخَّرُ حسبَ تَغيُّرِ الظُّروفِ، ومعَ التَّدقيقِ فإنَّ النَّسخَ لا يكونُ ولا يجوزُ على الخبرِ الـمُتضمِّنِ للوعدِ الجوهريِّ.

هذا يعني أنَّ الإسلامَ هو الدِّينُ السَّماويُّ الذي أوحاهُ اللهُ لجميعِ الرُّسلِ والأنبياءِ منذُ عهدِ سيِّدنا النَّبيِّ آدمَ (ع) وحتَّى سيِّدنا النَّبيِّ محمَّد (ص) لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، وهو يَصُبُّ في معنى قولِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي).

لذلكَ قَرَنَ الاعترافَ بالرِّسالةِ بالاعترافِ بالدِّينِ، فطاعةُ اللهِ مقرونةٌ بطاعةِ الرَّسولِ، ولم تقترنْ الطَّاعةُ باللهِ باسمِ أحدٍ من الأنبياءِ في القرآنِ، بل قالَ تعالى: (وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا)، وقال: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً)، وقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)، وقال: (قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ)، وقال: (وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، وقال: (وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ)، وقال: (قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وحتَّى خطابُ القرآنِ كان دائمًا: (يا أيُّها النَّبيُّ)، (يا أيُّها الرَّسولُ)….

 

فكم هو مؤلمٌ وضعُ الشَّعبِ الآنَ؟

إنَّ العيبَ فيما يُعاني منه شعبُنا اليومَ يَكمنُ فيهم لا في دينِهم، فَدينُهم حيٌّ، بل هو مَبعَثُ الحياةِ، والعيبُ في فكرِ بعضِ رجالِ الدِّينِ وفي فهمِهم الجامدِ، وشعبُنا بحاجةٍ إلى نفحةٍ شبابيَّةٍ إيمانيَّةٍ قدسيَّةٍ تُحييهم وتعيدُ إليهم دورَهم الرِّساليَّ، ونحنُ بحاجةٍ إلى نهضةٍ تقومُ على تحديثِ العقلِ وتجديدِ النَّفسِ، وعلينا التَّفريقُ بين الشَّريعةِ والتَّشريعِ، فالشَّريعةُ منهجٌ إلهيٌّ له نصوصٌ وقواعدُ، أي منهجٌ حركيٌّ، والتَّشريعُ قراءةٌ بشريَّةٌ حسبَ الأفهامِ.

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> جوهر الإيمان برسالة الإسلام في الفلسفة العلوية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger