تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

0 1٬028

تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

بقلم: الباحث الديني هشام أحمد صقر

 

القرآنُ الكريمُ هو الحبلُ الإلهيُّ الممدودُ من السَّماءِ إلى الأرضِ، مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ ينجو، وَمَن يضلُّ عنهُ يَهلَكُ. وما عظمتُهُ إلاَّ مظهرٌ وجلوٌّ لعظمةِ الحيِّ القيُّومِ، ووجهٌ من وجوهِهِ تباركَ وتعالى، ولهذا كان له العديد من الأسماء منها:

1- القرآنُ: وهو مصدرٌ أو وصفٌ مشتقٌّ معناهُ (الجمع) لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)، ففي القراءةِ استظهارٌ للحقيقة، والاتِّباعُ يكونُ للقريبِ، وقد قيلَ: سمِّي القرآنُ قرآنًا لقربِهِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ.

2- الكتابُ: فالكتابةُ جمعٌ للحروفِ وَرَسمٌ للألفاظِ، وتسميةُ كلامِ اللهِ تعالى بـ(الكتابِ) إشارةٌ إلى جمعِهِ في الكلماتِ والسُّطورِ، وهو على ثلاثةِ معانٍ:

  • الكتبُ المنزلةُ على الأنبياءِ المشتملةُ على شرائعِ الدِّينِ، ككتابِ سيِّدنا نوح (ع) في قوله تعالى: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وكتاب سيِّدنا إبراهيم وسيِّدنا موسى (ع) في قوله تعالى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)، وكتاب سيِّدنا محمد (ص) في قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ).
  • الكتبُ المخصَّصةُ لكلِّ إنسانٍ أو أمَّةٍ كقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا).
  • كتبُ الوجودِ المتغيِّرِ في قوله تعالى: (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، والإفرادِ في قوله تعالى: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ).

3- الفرقان: فالفرقانُ يفيدُ التفرقةَ بين العبوديَّةِ والرُّبوبيَّةِ، وهو في قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).

4- الكلام: قيل للإمام الـرِّضــا علينا سلامُهُ: أخبرني عن القرآن أخالقٌ أم مخلوقٌ؟ فقال: (ليــسَ بخالقٍ ولا مخلوقٍ ولكنَّهُ كلامُ اللهِ عزَّ وجلَّ).

5- الذِّكر: في قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ).

6- الهدى: في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).

 

وللإمام الصَّادق علينا سلامُهُ كلمةٌ في تعريفِ القرآنِ عندما قال: (لقد تجلَّى اللهُ لخلقِهِ في كلامِهِ ولكنَّهم لا يبصرون)، فالإمامُ الصَّادق علينا سلامُهُ عبَّرَ قائلاً: (تجلَّى الله لخلقِهِ) ولم يقل: (تجلَّى اللهُ لنفسِهِ)، لأنَّ القرآنَ له مقامُ جمعِ الأسماءِ والصِّفاتِ من جمالٍ وكمالٍ وجلالٍ، وهذا الجعلُ والحرفُ هو الرَّابطُ بين العبدِ والمعبودِ بعدَ التَّجلي بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق علينا سلامُهُ: (إنَّ الكلامَ صفةٌ ليسَتْ بأزليَّةٍ، وكانَ اللهُ عزَّ وجلَّ ولا متكلِّمٌ).

أمَّا الجملة الثانية فهي قوله (ع): (ولكنَّهم لا يبصرون)، فالقرآنُ هو تجلِّي الحيِّ القيُّومِ في السَّماواتِ والأرضِ بدليلِ قولِ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (أَبَانَا الذي في السَّمواتِ لِيَتَقَدَّسِ اسمُكْ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ كما في السَّماءِ كذلكَ على الأرضِ)، فلماذا لا يُبصرون؟

إنَّ الإبصارَ هو محلُّ الأزمةِ ومكمنُ المعضلةِ، فبالعودةِ إلى القرآنِ والبحث عن البصرِ المختلفِ عن البصيرةِ نجدُ قوله تعالى: (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ)، وهذه البصائرُ لا تتمُّ على الأرضِ، بل هي بحاجةٍ إلى ارتقاءِ النَّفسَ لتُبصِرَ آيةَ السَّماءِ بدليلِ قول سيِّدنا المسيح (ع): (لا يمكنكَ أن تعرِفَهُ على الأرضِ تمامَ المعرفةِ، ولكنَّكَ ستراهُ في مملكتِهِ إلى الأبدِ حيثُ يكونُ قوامُ سَعادَتِنا وَمَجدِنا).

فعندما يطوي الإنسانُ طريقَ العمى، فإنَّهُ يصلُ إلى حيث يتمكَّنُ من فهمِ ما تعنيهِ كلمةُ “الحكيمِ” في قوله تعالى: (يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، وكلمةُ “ذي الذِّكرِ” في قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، وكلمةُ “المجيدِ” في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)،… ولكنَّ هذا الطريقَ صعبُ الـمَسـالِكِ لا يعبرُهُ إلاَّ مَن استحقَّ ذلكَ وخشـيَ الله وجاءَهُ بقلبٍ خاشعٍ سليمٍ لقوله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ).

 

الباحث الديني هشام أحمد صقر

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> تجليات الجمال والجلال القرآنية في الفلسفة العلوية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger