العصمة التكوينية

0 986

العصمة التكوينية

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل للأنبياءِ عصمةٌ تكوينيَّةٌ أم ولايةٌ تّكوينيَّةٌ؟

 

تنفي الحشويَّةُ والْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخَوَنَةُ كلاًّ من الولاية التكوينيَّةِ والعصمةِ التَّكوينيَّةِ عن الأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ (ع)، ولا يفرِّقونَ بين الْمُصطلحين رغم الفرقِ الواضحِ بينهما، ولذلك وجب التفريقُ بينهما لإيضاح الالتباسِ والفرقِ بينهما.

نحن كعلويِّين نُصيريِّينَ نؤمنُ بالعصمةِ الذَّاتيَّةِ التَّكوينيَّةِ للأنبياءِ، فهي خاصَّةٌ ذاتيَّةٌ لهم، وقد وهبَهم الباري إيَّاها دون غيرِهم من الْمَوجودات ليَتميَّزوا، فلو كان الأمرُ كما تزعمُ الحشويَّةُ والْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخَوَنَةُ بأنَّ القصَّةَ دعاءٌ واستجابةٌ ربَّانيَّةٌ أعطَتْهُ ما يريدُ من دون أن يكون للنَّبيِّ أيُّ دورٍ عمليٍّ أو قدرةٍ واقعيَّةٍ في تحقيقِ ذلكَ، فما هو الفرقُ بين النَّبيِّ والْمُؤمنِ الذي يَدعو فيُستجابُ له؟ وما هو الفرقُ في نجاةِ سيدنا رسولِ الولايةِ إبراهيمَ علينا سلامُهُ من النَّارِ ونجاةِ مؤمنٍ من الحرقِ؟ وما هو الفرقُ بين اليدِ البيضاءِ لسيدنا النَّبيِّ موسى (ع) والهالةِ الـمُضِيئةِ لِمُؤمنٍ؟ وما هو الفرقُ بين إبراءِ الْمَرضى من قِبَلِ سيِّدنا النَّبيِّ عيسى (ع) وشفاءِ الْمَرضى على يدِ مؤمنٍ تَقِيٍّ؟ ولٍمَاذا كان سيِّدنا النَّبيُّ محمَّد (ص) خاتم النَّبيِّين؟

إنَّ للمؤمنينَ الصَّالحينَ كرامةً عند ربِّهم تجعلُ دُعاءَهم مقبولاً عندَهُ فَتَجري على أيديهم الكرامةُ لقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، أمَّا الأنبياءُ (ع) فلهم عصمةٌ ذاتيَّةٌ تكوينيَّةٌ خاصَّةٌ بهم لأنَّهم ليسوا بشرًا كما تظنُّ الحشويَّةُ والْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخَوَنَةُ، لكن ليس لهم ولايةٌ تكوينيَّةٌ لأنَّ الولايةَ التكوينيَّةَ خاصَّةٌ بالأوصياءِ (م).

ومن الأمثلةِ القرآنيَّةِ التي سقطَ الحشويَّةُ والْمُقصِّرَةُ والْمُرتدُّونَ الخَوَنَةُ في تفسيرِها أنَّهم ظنُّوا أنَّ اللهَ نجَّى سيِّدنا رسولَ الولايةِ إبراهيم علينا سلامُهُ من النَّارِ فحوَّلها إلى عنصرٍ باردٍ في قوله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)!! وهذا على سبيل ظاهرِ العبارةِ مُجحِفٌ بحقِّ رسولِ الولايةِ إبراهيمَ الخليل علينا سلامُهُ، صاحبِ العصمةِ الذاتيَّةِ التكوينيَّةِ لأنَّ بإمكانِهِ فعلُ ذلك، لكنَّهُ اللُّطفُ الإلهيُّ بتشريفِهِ بالولايةِ لأنَّهُ الرَّسولُ الوحيدُ الْمَوصوفُ في كتابِ اللهِ بالإمامِ في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا).

أمَّا الأمثلةُ الأخرى التي سقطوا بها فهي الْمُتعلِّقةُ بالعصمةِ الذاتيَّةِ التَّكوينيَّةِ للأنبياءِ حيث جَرَّدوهم منها، ومن ذلك اتِّهامهم للنبيِّ موسى (ع) بأنَّه كان خاضعًا للخوفِ من تجربةِ السَّحَرةِ متذرِّعينَ بقوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى، قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى)، فالخيفةُ ليسَت شكًّا كما حَاولوا تصويرَها، بل هي تعليمٌ للمؤمنِ ليَطمئنَّ حينَ يتَّكلُ على رَبِّهِ، وصاحبُ الولايةِ التَّكوينيَّةٌ موجودٌ وهو الوصيُّ يوشع بن نون (م).

كذلك في قصَّةِ النَّبيِّ سليمان (ع) صاحبِ العصمةِ الذَّاتيَّةِ التَّكوينيَّةِ التي أهَّلتْهُ لإظهارِ الْمُعجزاتِ المذكورةِ في قوله تعالى: (فَسَـخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)، ومعه صاحبُ الولايةِ التَّكوينيَّةِ الوصيُّ آصف بن برخيا (م) الْمَذكورِ في قوله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي).

كما أنَّهم أسقطوا النَّبيَّ عيسى (ع) إلى موضعِ الضَّعفِ والاستسلامِ، ونَفَوا عنه العصمةَ الذَّاتيَّةَ التَّكوينيَّةَ حين جَعَلوا له دورَ الآلةِ التي تتحرَّكُ لتصنعَ شيئًا كهيئةِ الطَّير وتنفخَ فيه، ويضعَ يدَهُ على الأكمهِ والأبرصِ وعلى الْمَيِّتِ، فتحدثَ العافيةُ في الأوَّلَيْن، وتنطلقَ الحياةُ في الثَّالثِ من خلالِ إرادةِ اللهِ!! لكنَّه قال ليدلَّ على العصمةِ الذَّاتيَّةِ التَّكوينيَّةِ: (أخلقُ وأبرئُ وأحيي) كما قال تعالى على لسانِهِ: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، وهي آيتُهُ الدَّالَّةُ على العصمةِ الذَّاتيَّةِ لديهِ والتي عبَّرَ عنها بوجودِها قبلَ كونِ العالَمِ في قوله (ع): (وَﭐلآنَ مَجِّدْنِي أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ)، ومعه صاحبُ الولايةِ التَّكوينيَّةِ الوصيُّ شمعونُ الصَّفا (م).

ومع صاحبِ العصمةِ الذَّاتيَّةِ التَّكوينيَّةِ رسولِ اللهِ خاتمِ النَّبيِّينَ محمَّد (ص) كانَ إكمالُ الدِّينِ وإتمامُ النِّعمةِ بتبليغِ ولايةِ أمير المؤمنين الإمام علي (م) في حجَّةِ الوداعِ في يومِ الغديرِ حيث نزلَ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)، حيث أنَّه كان يطلبُ من أمير المؤمنين صاحبِ الولايةِ التَّكوينيَّةِ أن يُظهِرَ معجزاتِ رَدِّ الشَّمسِ وَشَقِّ القمرِ وإحياءِ الْمَوتى لِتَتمَّ رسالةُ الإسلامِ حَقًّا وصِدْقًا، لِيَمِيزَ الطَّيِّبُ من الخبيثِ والْمُؤمنُ من الكافرِ لقولِهِ تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> العصمة التكوينية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger