إمهال الكافرين

0 1٬184

إمهال الكافرين

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

لماذا أَمَدَّ اللهُ الكافرينَ هذا الْمَدَّ؟ وإلى مَتَى؟

 

يقول تعالى في سورة الطَّارقِ: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا).

إنَّ الفرقَ بيننا وبينَ كلٍّ من السُّنَّةِ والشِّيعةِ هو في تعريفِ الكافرينَ وفهمِ الإمهالِ، فَهُم يَرونَ أنَّ الأكثريَّةَ هي الْمُؤمنةُ والأقلِّيَّةَ هي الكافرةُ، وانطلاقًا من ذلك كتبوا كُتُبَهم حولَ الفرقِ والْمِلَلِ والنِّحَلِ وكفَّروا هذا وذاك دونَ أيِّ وازعٍ، مفتخرينَ بكثرتِهم وانتشارِهم، فالسُّنَّةُ يفتخرونَ بكثرةِ عددِهم وانتشارِهم في العالمِ، والشِّيعةُ يعتبرونَ أنَّ نجاحَهم في اختراقِ صفوفِ الْمَذاهبِ الأخرى وتَشييعِ أبنائِها هو مصدرُ فخرٍ لهم بأنَّهم على حقٍّ، ولم يَعلموا جميعًا أنَّ اللهَ تعالى ذمَّ الكثرةَ في آياتٍ عدَّةٍ كقوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)، وقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ)، وَمَدَحَ القلَّةَ كما في قوله تعالى: (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)، فنَظْرَتُهم كأكثريَّةٍ باستصغارٍ إلى الأقليَّةِ كنظرةِ فرعونَ إلى جنودِ سيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع) في الآيةِ، وقد خاطبَ فرعونُ جندَهُ قائلاً: (إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ)، ولفظُ (شرذمة) هو نفسُ الوصفِ الذي استخدمَهُ سادةُ السُّنَّةِ والشِّيعةِ حينَ كفَّروا العلويِّينَ النُّصيريِّينَ عبر التاريخِ وقالوا في كتبِهم ومؤلَّفاتِهم: (الفرقةُ النُّصيريَّةُ شرذمةٌ اتَّبعَتْ محمد بن نُصير!!).

أمَّا الإمهالُ رويدًا فاعتبرَهُ السُّنَّةُ في تفاسيرِهم للقرآنِ بأنَّه برهةٌ من الزَّمنِ ستتحقَّقُ بعدَ حينٍ، في حينِ اعتبرَت تفاسيرُ الشِّيعةِ أنَّ الإمهالَ رويدًا هو مداراةٌ للكافرينَ وصبرٌ وَتَأَنٍّ ودقَّةٌ في حسابِ خطواتِ الْمُواجهةِ! مع أنَّ مَن يَتقهقَرُ ويَتخلَّفُ عن القتالِ في سبيل الحقِّ هم في عِدَادِ الذَّمِّ لا الحَمدِ، كأولئكَ الذينَ تخلَّفوا عن جيشِ أسامةَ، وأولئكَ الذينَ نكثوا مع أمير المؤمنينَ الإمام علي (م) والإمامِ الحسين علينا سلامُهُ وهم الأكثريَّةُ، بينما الأقلِّيَّةُ هي مَن بقيَتْ تقاتلُ وتحاربَُ لنصرةِ الحقِّ وإعلاءِ كلمتِهِ لقوله تعالى: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ)، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا)، ولم يسجِّلِ التَّاريخُ أنَّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ نَصَروا الباطلَ أو توانَوا عن نصرةِ الحقِّ أبدًا، بل إنَّ سادَتنا الثِّقاتِ وأجدادَنا الْمُخلصينَ كانوا حاضرينَ في الْمُواجهةِ دومًا جنبًا إلى جنبٍ مع النَّبيِّ الأكرمِ (ص) وأميرِ المؤمنينَ (م) وكلِّ إمامٍ من الأئمَّةِ الْمَعصومينَ علينا سلامُهُم ومَن تَبعَ نهجَهم الصَّافي، فلم يَتَخَلَّوا عن نُصرةِ سيِّدنا أبي شعيب محمَّد بن نصير (ع)، ولم يَتَخَلَّفوا عن نهج سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع)، وقاتَلوا في جيشِ الأميرِ سيفِ الدَّولةِ الحمدانيِّ (ق) لدحرِ الرُّومانِ ومواجهةِ السَّلاجقةِ، وجاهدوا مع الأميرِ حسن بن مكزونِ السِّنجاريِّ (ق)، ولنا في الشَّـيخِ المجاهدِ صالحِ العلي (ق) والقائدِ الخالدِ حافظِ الأسد (ق) والقائدِ المجاهدِ بشَّار الأسد خيرُ مثالٍ في العصورِ الحديثةِ.

وهنا لابدَّ من التَّنبيهِ على بعضِ الْمُرتدِّينَ الخونةِ الذينَ يحاولُونَ تشويهَ صورتِنا العلويَّةِ النَّقيَّةِ خدمةً للْمُقصِّرَةِ ليَجعلوا ولاءَنا لخالدَ بن الوليد بدلاً من أن يكونَ لأميرِ المؤمنينَ الإمامِ علي (م) حينَ يَزعمونَ في بياناتِهم الْمَدسوسةِ الْمَأجورةِ أن لقبَ النُّصيريَّةِ جاءَ (عندما قَدِمَ خالد بن الوليدِ لفتحِ فلسطينَ من اليهودِ فاستنجدَ بأهالي جبالِ العلويِّينَ وناصروهُ على فتحِ الْمَدينةِ، ولكن لصغرِ الجبلِ وقلَّةِ أعدادِ سكَّانِهِ أُطلقَ عليهِ لقبُ النُّصيريَّةِ، وهي كلمةٌ مصغَّرةٌ مأخوذةٌ من النُّصرةِ!!)، فأيُّ إفكٍ أتى به هؤلاء الْمُرتدُّونَ الذينَ يريدونَ إخفاءَ فضلِ ومقامِ سيِّدنا أبي شعيب محمَّد بن نصير (ع) حجَّةِ الإمامِ العسكريِّ علينا سلامُهُ وهو الذي قال فيه: (محمَّد بن نصير حُجَّتُنا على المؤمنين، وهو لؤلؤةٌ مكنونةٌ في محلِّ سلمان، حجَّةٌ من حُجَجِنا، فمَن شَكَّ فيه أو ردَّ عليهِ قولَهُ فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعين).

قاتَلَ اللهُ هؤلاء الْمُرتدِّينَ الخونةَ ما أكثرَ بَغيَهم وَبَغَاءَهم وَعَمَالَتهم لأنَّهم يريدونَ بهذا إثباتَ أنَّ العلويِّينَ النُّصيريِّينَ الشُّرفاءَ الأنقياءَ قد نَصَروا خالدًا في عهدِ الخليفةِ الثاني عمر بن الخطَّابِ بروايةٍ تاريخيَّةٍ كاذبةٍ هدفُها إخراجُ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ عن ولايةِ أميرِ المؤمنينَ (م) وإلحاقُهم بقاطع رأسِ مالكِ بن نويرةَ (ع) لِيَزنيَ بزوجتِهِ، ومعروفٌ أنَّ خالد بن الوليد كانَ شريكًا في إحراقِ بيتِ سيِّدَتِنا فاطمةَ الزَّهراء (ع) بضعةِ رسولِ اللهِ (ص)، وهذا يكفيهِ لوقوعِ غضبِ سيِّدنا رسولِ اللهِ عليه لقولِهِ (ص): (فاطمةُ بضعةٌ منِّي فمَن أغضبَها أغضبَني). ومقولةُ الْمُرتدِّينَ الخونةِ الْمَزعومةُ تجعلُنا خارجينَ عن نهجِ الولايةِ، وتفسحُ المجالَ للْمُقصِّرةِ لتنفيذِ مخطَّطاتِها في مشروعِ التَّشيُّعِ لهدايَتنا- حسبَ زعمهم- من طريقِ الضَّلالِ النَّاصبيِّ إلى طريقِ التَّشيُّعِ، فقاتلَ اللهُ الْمُنافقينَ الْمُزوِّرينَ الْمُتنكِّرينَ لفضلِ الأئمَّةِ الْمَعصومينِ ومَن تَبعهم من الحججِ البيِّناتِ وعلى رأسِهم سيِّدُنا أبو شعيب محمَّد بن نصير (ع)، وليَعلموا أنَّ اللهَ لا يُهمِلُهم بل يُمْهِلُهم لِيُذِيقَهم ما يَستَحِقُّونَهُ من الذُّلِّ والْمَهانةِ.

 

إذن:

نحنُ كعلويِّينَ نُصيريِّينَ ملتزمونَ بالكاملِ بالنَّصِّ القرآنيِّ وحديثِ الْمَعصومينِ في فهمِ الأمورِ والإشاراتِ، ونقولُ في دعائِنا الْمَوروث عن علمائِنا: (سُبحانَ مَن يَستَدرِجُ بالإمهالِ، ولا يَعجَلُ بالنَّكالِ)، فاللهُ يحاسبُ سريعًا أهلَ الإيمانِ كي يوفُّوا ديونَهم في حياتِهم فيُغادرُوها مُطهَّرينَ من الذُّنوبِ، ويُمهِلُ أهلَ الباطلِ ويستدرجُهم على أفعالِهِم العواطلِ بإنعامِهِ عليهم بعدَ الذُّنوبِ ليتمادَوا بغِيِّهم وضَلالِهم فَيَستَحِقُّوا العذابَ الأكبرَ حيثُ شرحَ الإمامُ الصَّادق علينا سلامُهُ أنَّ اللهَ يريدُ بعبدِهِ خيرًا فإذا أذنبَ ذنبًا أتبعَهُ بنقمةٍ وذكَّرَهُ بالاستغفارِ، أمَّا الكافرُ فإذا أذنبَ ذنبًا أتبعَهُ اللهُ بنعمةٍ ليُنسيَهُ الاستغفارَ فَيَتمادَى به، وهو قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ)؛ أي: بالنِّعمِ عندَ الْمَعاصي.

فالكافرونَ يظنُّونَ عذابَ اللهِ بعيدًا عنهم بسببِ الرَّفاهيَّةِ الدُّنيويَّةِ والْمَلَذَّاتِ الشَّهوانيَّةِ التي يعيشونَها، وضعفاءُ الْمُؤمنينَ يَحسدونَهم على ذلكَ حتَّى يَصِلوا لِمَرحلةِ الشَّكِّ بعَدلِ اللهِ أو حتَّى بوجودِهِ غافلينَ عن قولِ الإمامِ الصَّادقِ علينا سلامُهُ: (كم مِن مغرورٍ بما قد أنعمَ اللهُ عليهِ، وكم مِن مُستَدرَجٍ بسِترِ اللهِ عليهِ، وكم من مَفتونٍ بثناءِ النَّاسِ عليهِ)، فاللهُ تعالى أمَدَّ الكافرينَ بالنَّظرَةِ والإمهالِ والاستدراجِ كما في قوله تعالى: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ)، ولذلكَ تراهُم يُمعِنُونَ في نَهبِ الأموالِ وقَتلِ الأنفُسِ وفِعلِ الشَّرِّ، ولكنَّ حسابَهم عندَ ربِّهم لقوله سبحانه: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً).

هذا يعني أنَّ بانتظارِهم العَذابَ الأكبرَ الذي وعَدَهُم اللهُ بهِ جزاءً على جُحودِهم وإنكارِهم وقتلِهم لرسلِهِ واستضعافِهم لأوليائِهِ، وهو آتٍ يومَ الحسابِ، وسيَشهَدونَ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سَمِعَتْ، حَتَّى يَكون لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُم في اليومِ ألفُ قَتلَةٍ وألفُ حَرقَةٍ، وهو ما أوردَهُ مولانا شمعون الصَّفا (م) وصيُّ سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع) بقوله: (الرَّبُّ يُنْقِذُ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظُ الأَثَمَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ).

وسيكونُ ظهورُ سيِّدنا القائمِ المَهدي (ع) في آخرِ الزَّمانِ جَحيمًا على الْمُنافقينَ والكافرينَ لقولهِ تعالى: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) لأنَّهُ يوضِّحُ الحَقَّ ويأخذُ كُلَّ أمَّةٍ بإمامِهم لقوله تعالى: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)، ويَفصلُ بينَ النَّاسِ بالحَقِّ لقولهِ سبحانه وتعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> إمهال الكافرين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger