العدل والمساواة

0 708

العدل والمساواة

بقلم: الدكتور أحمد أديب أحمد

 

هل عندما قيل: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) كانت الدَّعوةُ بالعدلِ أم بالْمُساوَاةِ؟ وبالتَّالي: هل حكمُ اللهِ في خلقِهِ قائمٌ على العدلِ أم الْمُساواةِ منذُ بدايةِ التَّكوينِ؟

 

إنَّ الحشويَّةَ والْمُقصِّرَةَ والْمُرتدِّينَ الخَوَنَةَ يجعلونَ للعدلِ والْمُساواةِ نفسَ الْمَعنى!! ولكنَّنا نحنُ العلويُّونَ النُّصيريُّونَ نُفَرِّقُ بينَ العدلِ والْمُساواةِ، لأنَّ لكلٍّ منهما موقعًا خاصًّا، ويمكنُ التَّعبيرُ عن ذلكَ بقولِنا: إنَّ الْمُساواةَ من صفاتِ العَرَضِ الْمَحسوسةِ، والعدلَ من صفاتِ الجوهرِ الْمَعقولةِ، وهذا يعني أنَّ الْمُساواةَ تتعلَّقُ بصفةِ العَرَضِ الْمَحسوسةِ التي نَرَاها، والعدلَ يتعلَّقُ بصفةِ الجوهرِ الْمَعقولةِ التي نُدْرِكُها، وهو معنى قولِ أميرِ المؤمنينَ الإمام علي (م): (قَامَ بِالْقِسطِ فِي خَلْقِهِ، وَعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ).

فاللهُ سبحَانَهُ لم يَحرمْ أحدًا مشاهدةَ آياتِهِ وقدرَتِهِ في خلقِهِ، وهذا من الْمُساواةِ، ولكنْ في الوقتِ نفسِهِ كانَ مِن العدلِ أن يَعقِلَ الْمُؤمنونَ فقط عظمةَ صاحبِ الآياتِ وقدرةَ صاحبِ القُدرَاتِ ليُؤمنوا ويُقِرُّوا، وفي هذا الْمَعنى قال سيِّدنا النَّبيِّ المسيح (ع): (إنَّ الشَّمسَ نورُ كلِّ شيءٍ، والحكمةَ نورُ كلِّ قلبٍ، والتَّقوى رأسُ كلِّ حكمةٍ، والحقَّ بابُ كلِّ خيرٍ، ورحمةَ اللهِ بابُ كلِّ حقٍّ).

ومثالُ الْمُســاواةِ والعدلِ واضحٌ في قصَّةِ سيِّدنا النَّبيِّ موسى (ع) حينَ خاطبَهُ ربُّهُ في سورةِ طه: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى، لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى)، فأراهُ الآيةَ وهو نبيٌّ، ثم قالَ له: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، وفرعونُ عدوٌّ للهِ ورسولِهِ، إلى أن قال: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى، قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى)، وهذا يؤكِّدُ رؤيةَ فرعونَ للآياتِ كلِّها رؤيةً عينيَّةً محسوسةً وهذا من مبدأ الْمُساواةِ، ولكنَّهُ كذَّبَ وأبى واتَّهمَ سيِّدنا النَّبيَّ موسى (ع) بالسِّحرِ لأنَّهُ أصلاً أنكرَ حينَ ردَّ على اللهِ قولَهُ: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، وتكذيبُهُ وإنكارُهُ وعدمُ إدراكِهِ لحقيقةِ هذهِ الآياتِ هو من مبدأ العدلِ الإلهيِّ الذي يَقضي بأنَّ مَن آمنَ منذ بدءِ التَّكوينَ سيبقى مؤمنًا، ومَن كفرَ سيبقى كافرًا، لقوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)، وهذا من العدلِ الإلهيِّ الذي لا يوازيهِ عدلٌ، ولولا تلكَ الدَّعوة الأولى بقوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، لَكُنَّا وَجَدْنا الإنسانَ قد انقلبَ بينَ إيمانٍ وكفرٍ من غيرِ ثَبَاتٍ وهذا لا يجوزُ، لأنَّ كلَّ إنسانٍ مُلزِمٌ نفسَهُ بإجابَتِهِ الأولى، ولهذا قال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى)، فلولا كلمةُ: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) لَضَاعَ العدلُ وَعَاثـَتِ الفوضى بين الْمُؤمنِ والكافرِ ليُطالِبَ كلٌّ منهم بِحَقِّهِ وهما لا يَستويان لقوله تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، ولكانَ احتجَّ الخلقُ على الخالقِ، ولكنَّ الله تعالى حقَّـقَ عـدلَـهُ بهم لقوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وعاملَ الخلقَ بالعدلِ لقوله تعالى: (ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)، فمَن كانَ كافرًا اسْتَحَقَّ العذابَ لقوله: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)، وهذا يعني أنَّ مَن كان مؤمنًا استحقَّ الرَّحمةَ لقوله: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا).

 

نكتفي لعدم الإطالة والله أعلم

الباحث الديني العلوي الدكتور أحمد أديب أحمد

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> العدل والمساواة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger