المعرفة الإلهية في المنطق العلوي

0 1٬532

المعرفة الإلهية في المنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

الْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ في الحقيقةِ بين حالَتَي القَبْضِ والبَسْطِ هو الْمِفتاحُ الذي يفتحُ الأغلالَ التي تحاصرُ السَّالكَ، وهو البصائرُ التي تفتحُ السَّبيلَ إلى الحقائقِ بصورةٍ مباشرةٍ، وهو طريقُ الاستقامةِ التي هي الدَّرجةُ الرَّفيعةُ العُليا التي لا يصلُ إليها إلاَّ القليلُ مِن العارفينَ.

من هنا نلاحظُ أنَّ أهميَّةَ الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ أمرٌ صعبٌ، حيث تَتَراءَى آياتُ الكتبِ السَّماويَّةِ وهي تَحُثُّ السَّالكينَ على الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ، وتُبَيِّنُ أهميَّتَهُ وآثارَهُ. وبما أنَّ لكلِّ عارفٍ مَعينًا عَذْبًا ينهلُ منه بمِقدارِ تَوجُّهِهِ وفَهمِهِ وإدراكِهِ وعُروجِهِ، وبمِقدارِ صِلَتِهِ بالرَّبِّ، فإنَّ الْمَعِينَ العلويَّ العذبَ في الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ أفاضَ تآليفَ قيِّمَةً مَشحونةً بالتَّحقيقاتِ والتَّدقيقاتِ اللَّطيفةِ لكشفِ خفيَّاتِ مُبهَماتِ الطَّرائقِ الغَرَّاءِ، فأُلِّفَتْ كتبٌ مَسطورةٌ، وطُرِحَ فيها من الأفكارِ السَّديدةِ في الأصولِ والعباداتِ ما احتوَى على غرائبِ التَّنبيهاتِ وعجائبِ التَّحقيقاتِ.

هذه الأسفارُ القيِّمَةُ التي سَطَرَها علماءُ الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ تناولَت فلسفةَ العرفانِ الإلهيِّ ومفاهيمَهُ ومنازلهُ وأهدافَه للخاصَّةِ من مُريدي العلومِ الإلهيَّةِ والْمَعارفِ العِرفانيَّةِ لسُلوكِ الْمَنازلِ، ومِعرَاجًا لهم لتكونَ العبادةُ للعارفِ غيرِ الجاهلِ واليَقِظِ غيرِ الغافلِ عبادةً حقيقيَّةً تَظهرُ آثارُها نافحةً فيهم روحَ الإحسانِ والتَّقوى.

فالْمنطقُ العلويُّ الإلهيُّ سِفرٌ خالدٌ وينبوعٌ متدفِّقٌ يزدادُ تدفُّقًا كلَّما نقَّبْتَ فيهِ، فَيَظهَرُ مَدَى اتِّصالِهِ ببحارِ الْمَعارفِ الإلهيَّةِ، ويعودُ تدفُّقُ الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ وخلودُهُ إلى مَن أوجَدوهُ، الذين هم ظِلٌّ رقيقٌ للأنبياءِ والرُّسُلِ.

لقد كان الْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ وما زالَ في إطارِهِ العقائديِّ الْمُتَميِّزِ مُنفَتِحًا من خَطِّ العطاءِ السَّماويِّ بأروعِ دلائلِ الأصالةِ وعمقِ الْمُحتوى. وإنْ كانَ هناكَ مَن يَتحدَّثُ عن مَنطِقِنا ويكتبُ عنهُ، وينقلُ الصُّورةَ الْمُزوَّرةَ التي تَنطبعُ في ذهنِهِ وتسكنُ فيه سكونَ الأمواتِ، بعد أن فقدَتْ ملامحها ومعالمَِها وسِماتِها، فمِن البديهيِّ أن نعلمَ أنَّ كتاباتِ الآخرينَ عن مَنطقِنا تزويرٌ لا يحملُ رصيدًا من فكرٍ ناضجٍ. وإذا وقعَ هذا التَّزويرُ موقعًا ما في أفكارِ بعضِ الناسِ فإنه يظلُّ مَجهولاً فاقدًا لهويَّتِهِ بين حقائقِ الحياةِ الأصيلةِ الخالدةِ، ويظلُّ زبدًا له ما للزَّبدِ من قيمةٍ.

إنَّ معرفةَ الرَّبِّ في الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ تمثِّلُ الأساسَ والأصلَ للدِّينِ، فهي أَوجَبُ الْمُفتَرَضَاتِ لأَنَّ الحقَّ غَايَةُ العرفانِ، وَمَعرِفَتُهُ أَجلُّ الْمَعَارِفِ، وقد ذُكِرَ عن الإمامِ علي (م) قولُهُ: (مَن عَرَفَ اللهَ كَمُلَتْ معرفَتُهُ)، فَطَلَبُ العَلم والْمَعرفةِ أَوجَبُ الوَاجِبَاتِ لقوله (م): (اعرفوا اللهَ باللهِ والرَّسولَ بالرِّسالةِ).

والْمَعرفةُ الإلهيَّةُ في الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ مَبدأُ الدِّينِ وأساسُهُ، بل هو الْمُوصلُ إلى تمامِ الدِّين، ومن غَيرِ الْمُمكنِ للسَّالكِ إدراكُ حقيقةِ مَعرفةِ الرَّبِّ بدونِ العِرفانِ الإلهيَّ العَلويِّ. وبهذا فإنَّ العقيدةَ الْمُستَنِدَةَ إلى معرفةِ الرَّبِّ في الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ تقومُ على أسسٍ فكريَّةٍ واعتقاداتٍ عرفانيَّةٍ، في حينِ تقومُ العقيدةُ عندَ الآخرينَ على أساسِ التَّناقضِ التَّشريعيِّ وإنكارِ الحقِّ تعالى.

ومن الواجبِ على العارفِ الإقرارُ بالرُّبوبيَّةِ، أي أن يؤمنَ بالكنزِ الْمَخفِيِّ في الحديثِ القدسيِّ: (كنتُ كَنزًا مَخفيًّا فأحبَبْتُ أن أُعرَفَ فخَلَقْتُ الخلقَ لكي أُعرَفَ فَبِي عَرَفوني)، والإيمانُ بهِ هو مَعرفةُ التَّجلِّي والإقرارُ، فالكنزُ الْمَخفيُّ لا يُدرَكُ ولا يُحاطُ به ولا تُكَـيِّـفُـهُ الظُّنونُ والأوهامُ ولا يُوصَفُ بالأفهامِ، والْمَعرفةُ في قوله: (فَبي عَرَفوني) تَدُلُّ على التَّجلي لقولِ الإمام علي (م): (الحمدُ للهِ الْمُتَجلِّي لِخَلقِهِ كخلقِهِ، وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ).

وهذا الخلقُ اتَّصَفَ بالْمَعرفةِ، فالْمَعرفةُ هي الرَّحمةُ التي اختصَّ الرَّبُّ بها عبادَهُ، فهو جلَّ جلالُهُ يختَصُّ برحمَتِهِ مَن يَشاءُ من عبادِهِ بالاستحقاقِ، وهذه الرَّحمةُ هي الهُدى الآتي مِن عندِهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَفَضَّلَ علينا برحمَتِهِ ومَعرفَتِهِ في سائرِ تجلِّياتِهِ لأنَّهُ هو ذو الفَضلِ العَظيمِ. وكلُّ هُدًى في نُطقِ الكتابِ هوَ إِشَارَةٌ إلَى الصِّراطِ، وكَذلك كلُّ سَبيلٍ صِرَاطٌ، فهو غايةُ الحَمدِ لِمَن دُونَهُ، لأنَّ الحَمدَ عرفانًا هوَ معرفةُ الوَاحدِ والغايةُ صِرَاطُهُ، وهو صِرَاطُ مَن هُمْ دُونَهُ، أمَّا الوَحدانيَّةُ فهي صراطُ الكمالِ في كُلِّ زمانٍ وأوانٍ ودَهرٍ وحِينٍ، والرَّبُّ أكشَفُ للشُّهودِ في تَجَلِّيهِ.

وقد ميَّزَ مَنطقُنا العلويُّ أهلَ التَّحقيقِ عن أهلِ الْمَجازِ، فأهلُ التَّحقيقِ همِ الَّذينَ يثبتونَ الْمَنطـقَ الْمَشــهودَ، ثمَّ ينفُـونَ عن الجوهرِ الحدودَ، أمَّا أهلُ الْمَجازِ فَيَشــهدونَ من غيرِ شُــهودٍ ولا تحقيقِ وجودٍ، بل هم عميانٌ مُقَلِّدُونَ، كمَن وَجَدَ غيرَهُ على طَريقةٍ فَتَابعَهُم عليها بدونِ تَدقيقٍ ولا تَمحيصٍ، وهم الذين ذكرَهم سيِّدنا الْمَسيحُ (ع) بقوله: (اُتْرُكُوهُمْ، هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ، وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> المعرفة الإلهية في المنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger