تجليات المنطق العلوي

0 1٬116

تجليات المنطق العلوي

بقلم الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

 

لكلِّ حقيقةٍ منهاجٌ معينٌ، وليس كلُّ شيءٍ يُعرَفُ بطريقةِ شَكلِهِ، لأنَّ السَّبيلَ إلى معرفةِ الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ لا يكونُ إلاَّ عبرَ معرفةِ الحقائقِ التي لا تَتقلَّبُ ولا تَتبدَّلُ ولا تَتفاضلُ فيما بينها، وهي أصلٌ ومبدأٌ، فالدَّقائقُ هي الحقائقُ التي تَدقُّ على الأفهامِ.

والْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ لا يعترفُ بالأوهامِ، وليسَ هو ادِّعاءٌ لأنَّ لكلِّ حقٍّ حقيقةً، والْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ لابدَّ أن تكونَ له حقيقةٌ تدلُّ عليهِ، فما هو معنى الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ؟

الْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ موضوعٌ من الصُّعوبةِ بمكانٍ إدراكُ حقائقِهِ الدَّقيقةِ بدون الاطِّلاعِ الكاملِ على جميعِ أبعادِهِ والْمعرفةِ الْمُعمَّقةِ لِجُذورِهِ، خاصَّةً أنَّ حقائقَهُ الدَّقيقةَ هي ثمرةُ فلسفةٍ رُوحانيَّةٍ، ونتيجةٌ لِمُكاشفاتٍ مَعنويَّةٍ.

فالْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ هو إحضارُ الحقائقِ واللَّطائفِ للكلامِ الإلهيِّ بمِقدارِ قوَّةِ البُرهانِ، وهو ينبوعُ سائرِ القِيَمِ الإلهيَّةِ، وجذرُ شجرةِ سائرِ القيمِ والأحكامِ. ولا تَخفى على أحدٍ أهميَّةُ الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ في معرفةِ اللهِ، إذ إنَّ للْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ قسمان: الأوَّلُ منطقٌ يبحثُ في فلسفةِ الوجودِ الإلهيِّ، والثَّاني منطقٌ يبحثُ في سُبُلِ السَّيرِ والسُّلوكِ.

فالْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ عرفانُهُ التَّجلِّي وفلسفتُهُ واجبُ الوجودِ، أي أنَّ موضوعَ بحثِ الْمَنطقِ هو الْميزانُ الإلهيُّ، بينما موضوعُ الفلسفةِ فهو واجبُ الوجودِ.

والْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ له تجلِّياتٌ مرتبطةٌ بسلوكِ السَّالكينَ، وهذا ما يجعلُ السَّالكَ في حالةِ عُروجٍ دَائمٍ، إذ لا شكَّ أنَّ أثقلَ ما في ميزانِ السَّالكِ الحقيقيِّ يوم القيامةِ هو الإيمانُ العِرفانيُّ، الذي هو قيمةُ القِيَمِ وأصلُ الأصولِ والهدفُ الأسمى للسَّالكِ في الحياةِ. فهو يؤدي إلى الهُدى والفَلاحِ، لأنَّ الهُدى والفَلاح من قِمَمِ الْمَنطقِ العلويِّ الإلهيِّ، إذِ الهُدَى معرفةُ الحَقائقِ، والفَلاحُ متَّصلٌ بالنَّاحيةِ العَقليَّةِ بعيدًا عن الشَّرائعِ، يَجمعُهما قولُ سيِّدنا النَّبيِّ عيسى الْمَسيح (ع): (الحقَّ أقولُ لكم: إنَّه لا يجبُ على الإنسانِ أن يَصرفَ زمنَ حياتِهِ، في تَعَلُّمِ التَّكلُّمِ أو القراءةِ، بل في تَعلُّمِ كيف يعملُ جيِّدًا)، وهو الذي وصلَ للنَّقاء الذي ذكرَهُ سيِّدنا الْمَسيح (ع) بقوله: (طُوبى لأنقياءِ النُّفوسِ لأنَّهم يُعاينونَ اللهَ).

ولهذا لا يَقبَلُ الْمَنطقُ العلويُّ الإلهيُّ النَّظرةَ التَّجزيئيَّةَ، بل يطلبُ نظرةً كلِّيَّةً حقيقيَّةً، لأنَّ الأمورَ لا تقتصرُ على الْمُفرداتِ والجوانبِ بل تتخطَّى ذلكَ إلى العمقِ، فالإيمانُ الذي لا يفيضُ بالعِرفانِ الرُّوحانيِّ من الإقرارِ بالتَّجلِّي إلى الإفرادِ ليسَ بإيمانٍ عرفانيٍّ، إذ لا مناصَّ أنَّ الجوارحَ لوحدِها لا تُظهِرُ حقيقةً، لقول الإمام علي (م): (أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوحِيدِهِ الإخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ).

 

الأستاذ المهندس: أسامة حافظ عبدو

لتحميل نسخة بتنسيق PDF انقر هنا —-> تجليات المنطق العلوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Cresta Social Messenger